Monday, December 5, 2016

هكذا حفظت القرآن في عام (١)

الأثنين، ٥ ديسمبر، ٢٠١٦
هكذا حفظت القرآن في عام (١)


﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]
(اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بالقُرْءَانِ وَاجْعَلهُ لِي إِمَاماً وَنُوراً وَهُدًى وَرَحْمَةً)

الحمدلله الذي وفقنا للسعي نحو هذه الغاية النبيلة، والحمدلله أن تفضل علينا فيسر لنا الطريق نحو هذه الغاية السامية، والحمدلله أن تكرم علينا فاختارنا لأن نكون ممن يحملون هذا القرآن العظيم.

الحمدلله أن أكرم هذه الدعوة المباركة فخرّج منها أكثر من ١٥٠ حافظاً وحافظةً لكتاب الله، كانوا نجوماً لنا ولمن تلاهم في حفظ كتاب الله، وما زالوا بذلك يزدادون يوماً بعد يوماً.

والشكر، بعد الله، لوالدتي الفائزة بتاج الوقار بإذن الله. فهي أول وأكثر من دفعني وشجعني وساعدني على حفظ القرآن؛ فهي من قرأت عليها القرآن الكريم كاملاً في هذا العام، وهي من لها الفضل في تطور قراءتي الصحيحة للقرآن بأحكام التجويد، فأرجو ألا يكون هذا الجهد إلا بِرّاً بها.

﴿قَد مَنَّ اللَّهُ عَلَينا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ﴾ [يوسف: ٩٠]


بين ختم القرآن وحفظ القرآن
أما بعد، فمنذ أن بدأت طريقي نحو حفظ القرآن الكريم، كان للمقالات التي يكتبها إخوتنا الحفظة دافعاً كبيراً لي، لذلك قررت أن أسطر في هذا المقال تجربتي المتواضعة نحو حفظ القرآن الكريم، لعله يكون دافعاً لغيري نحو حفظ كتاب الله.

فمع اقتراب نهاية عام ٢٠١٥، كنت أبحث عن هدف جديد لعام ٢٠١٦. فبعد أن حققت هدفي لعام ٢٠١٥ بحصولي على شهادة الماجستير، كيف يمكنني التفوق على عامي الماضي في ٢٠١٦؟ وكيف يمكنني السعي نحو هدف أعظم يمكنني تحقيقه خلال عام واحد؟

وبعدها كان الهدف واضحاً جلياً، الهدف الذي لطالما أجّلته وتعذّرت بالدراسة لتأجيله، الهدف الذي لا بد لي من تحقيقه لكي أتمكن من السعي نحو غايتي في الحياة، الهدف الذي سيكون أعظم إنجاز حققته في حياتي، الهدف سيلبس والديّ تاج الوقار بإذن الله تعالى.

فكان الهدف: أن أصل إلى الحفظ المتقن لكتاب الله، فأكون حافظاً له، ملماً به، وعاملاً به.

لذلك لم أكن أستعجل الختمة، لكي أتمكن من الحفظ المتقن، لا المستعجل، خلالها. فما كان الهدف من الحفظ “تسميع كل سور القرآن الكريم”، إنما كان “الحفظ المتقن لكل سور القرآن الكريم”.


خطة الحفظ
ومع اقتراب نهاية عام ٢٠١٥، بدأت بالتخطيط نحو هذا الهدف، فبدأت بسؤال الإخوة الحفظة لكتاب الله عن طُرُقهم في حفظ القرآن وفي مراجعته، لكي أتمكن من صياغة خطة محكمة أصل بها لحفظ القرآن الكريم بإذن الله.

ثم مع انطلاق عام ٢٠١٦، بدأت بتسميع السور الطويلة التي أحفظها حفظاً متقناً، التي أستطيع أسمعها كاملةً بدون أية أخطاء ومن دون الحاجة للمراجعة أو النظر إلى المصحف، كسورة الكهف وغيرها، ليكون هذا المستوى من الحفظ مرجعاً لي في باقي الحفظ. ثم بدأت طريقي نحو حفظ القرآن من جزء عم، فكانت خطتي أن أسمع الجزء ٣٠ إلى ١٦ أولاً ، ثم الجزء ١ إلى ١٥، بحيث أختم في سورة الإسراء.

ووضعت لي خطة أسبوعية مكونة من نصف جزء، بحيث أتمكن من تسميع نصف جزء دفعة واحدة وبدون أية أخطاء بنهاية الأسبوع. فكنت أحفظ في كل يوم وجهين، وأسمعهما عدة مرات بقدر ما يتيح لي الوقت، لكي أحفظهما حفظاً متقناً بحلول نهاية اليوم.

وكانت خطتي اليومية على الشكل الآتي:
١-أقوم الفجر وأسمع وجهي اليوم السابق قبل الإقامة
٢-ثم أستمع إلى وجهي اليوم عدة مرات مع التركيز على التلاوة والتجويد
٣-ثم أقرأ هذين الوجهين عدة مرات مع قراءة معاني الكلمات وتفسير الآيات
٤-ثم أبدأ الحفظ بالطريقة التقليدية “على حسب التقسيم الموضوعي"
٥-ثم أسمّع حفظي لنفسي حتى أتمكن من تسميع هذين الوجهين بدون توقف وبدون أي خطأ (٣-٥ مرات)
٦-ثم أسمّع الوجهين إلى أمي و\أو لطرف ثالث
٧-وفي الليل أسمّع الوجهين مجدداً عدة مرات لأتأكد من الحفظ المتقن للوجهين

وكنت في كل يوم جمعة أراجع حفظ الأسبوع “١٠ أوجه”، ثم أقوم في يوم السبت بتسميع حفظ الأسبوع كاملاً. وكان أمر المراجعة سهلاً إذ كان الحفظ المبدئي متقناً، وإلا فهو أصعب من الحفظ!

وواصلت على هذا النسق حتى تمكنت من تسميع القرآن الكريم كاملاً على يد: أمي وأبي، أحمد العوضي، أحمد علي سالم، إبراهيم طارق، عيسى الخاجة، محمد جناحي، ومنصور طارق. فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

أما الآن فقد بدأت بختمة المراجعة، سعياً نحو إتقان حفظ كتاب الله بعد ختمتي الأولى. وخطتي للمراجعة هي تسميع جزء كامل في كل يوم سبت، مع التركيز على قوة الحفظ أكثر من سرعة الحفظ، على مدى ٣٠ أسبوعاً بعون الله تعالى.

سأناقش بإذن الله في الجزء الآخر من المقال بعض ما استفدته من تجربتي المتواضعة في حفظ كتاب الله.

Saturday, October 8, 2016

قواعد القراءة

السبت، ٨ أكتوبر، ٢٠١٦
قواعد القراءة

قديما أنشد المتنبي:
أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ    وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ

لكنّا بتنا اليوم لا نجد صهوة جواد نبتغي بها عز أمتنا، فلم يتبق لنا إلا الكتاب جليسنا نحو ذاك السبيل.
فهل أعطينا القراءة حقها؟

أهمية القراءة


القراءة ومراحل نزول القرآن
يُجمع أغلب العلماء أن أول ٤ سور نزلت من القرآن الكريم كانت “العلق، القلم، المزمل، المدثر” بالترتيب. وكما أن في القرأن الكريم لكل حرف دلالة، نجد أن لترتيب نزول سور القرآن دلالات عظيمة أيضاً.
فأول ما أُمر به المصطفى ﷺ كان (اقرأ)، فالقراءة سبيل التعلم وطريق العلم، ولا تتم باقي الخطوات ما لم تسبقها القراءة.
ثم كانت سورة القلم، فربطت الكتابة بالقراءة، فكيف تكون القراءة ما لم توجد الكتابة؟!
ثم تلى ذلك الأمر الإلهي للرسول ﷺ بالتطبيق في سورة المزمل (قم الليل إلا قليلاً)، فلا خير في قراءة لا تؤدي إلى عمل، ولا تؤدي إلى إصلاح، ولا تؤدي إلى توحيد الله عز وجل.
ثم كان في سورة المدثر الأمر بنشر هذا المنهج (قم فأنذر)، فما بعد العلم إلا التعليم.

فكر.. ما العامل المشترك بين معظم القادة والعظماء وأصحاب التأثير؟ ستجد أن أغلب هؤلاء استوعبوا أهمية القراءة وانطلقوا نحوها.

من البديهي أن القراءة ليست السبيل الوحيد لتلقي العلم. وخصوصاً في عصرنا هذا تزداد وسائل التعلم، فمنها المرئي والمسموع وغير ذلك. والمثقف يسعى أن يستغل جميع الوسائل المتاحة لتلقي العلم، فهو يشاهد الأفلام الوثائقية ويطلع على نشرات الأخبار، وهو يستمع إلى السلاسل الصوتي والكتب المسموعة، ويستغل ما تقع عليه يداه من وسائل التعلم لتزداد ثقافته.
لكن تبقى القراءة فوق كل ذلك، فهي تظل السبيل الأول والأهم للثقاقة، فمعظم باقي الوسائل هي مجرد اختصار لما يجده المرء في الكتاب. فإن أردنا العلم، فعلينا أن نعود للأصل؛ للقراءة.

تذكر.. من يريد أن ينهض بأمته، فعليه أن يقرأ، لكي يتعلم كيف ينهض بها!

كيف أحب القراءة؟


من الطبيعي أن يتخوف المرء من القراءة، ما لم يتعلم حب القراءة. ومن الطبيعي أن يستصعب المرء القراءة، إن كان يحتاج أيام عديدة، بل قد تصل لأشهر في بعض الأحيان، لكي ينهي قراءة كتاب واحد.
فطريقة القراءة بالتهجئة، وهي التي تعلمناها في المدارس، لا تصلح إلا للأطفال. إلا أننا بعد أن تعلمنا القراءة في الصغر، لم نجد من يعلمنا القراءة السريعة، فلم تتطور سرعة قراءتنا من المرحلة الإبتدائية إلى الآن!
في الواقع، من أهم الأساليب التي تساعد على حب القراءة هي القراءة السريعة، فهل ستجد نفس صعوبة في القراءة إن تطلب منك الكتاب بضعة أيام بحد أقصى؟!

القراءة السريعة هي ليست مهارة تخطي الكلمات وانتقاءها، وليست مهارة التلخيص وقراءة الملخصات، إنما هي بكل بساطة مهارة القراءة بسرعة!
فبعد تعلمها -الأمر الذي قد يتطلب أسبوع إلى أسبوعين بحد أقصى- ستجد نفسك تقرأ نفسك الكتاب خلال فترة زمنية أقصر، وذلك لأنك تعلمت كيف تقرأ عدد كلمات أكبر خلال الفترة الزمنية نفسها. فمعدل القراءة الطبيعي هو ٢٠٠ كلمة في الدقيقة، وبعد تعلم القراءة السريعة ستصل إلى ٤٠٠ كلمة في الدقيقة بحد أدنى، الأمر الذي سيمكنك من قراءة كتيب صغير خلال نصف ساعة فقط، وكتاب حجمه ٢٠٠ صفحة خلال ٤ ساعات فقط! ألن تتطلع لقراءة المزيد من الكتب إن كانت عملية القراءة بهذا الشكل؟

تذكر أن القراءة السريعة ليست هي القراءة التصويرية. فالقراءة التصويرية مهارة تصلح فقط للتعرف على الكتاب قبل البدء بقراءته، ولا تصلح لقراءته كاملاً.

احصر على تعلم القراءة السريعة، فهي مهارة أساسية لكل من يريد أن يصبح مثقفاً، وإلا لن يتسنى له الوقت لقراءة العدد اللازم من الكتب لكي يصبح مثقفاً!

كم من الكتب أقرأ؟
-للشخص العادي: ٦ كتب سنوياً بحد أدنى.
-للشخص المثقف: كتابين شهرياً.
-للمفكر والعالم: ٧-١٠ كتب شهرياً.

لكن هل كل الكتب سواء، رغم اختلاف أحجماها؟

حجم الكتاب
-الكتيب: أقل من ٥٠ صفحة.
-الكتاب المتوسط: ٥٠-٢٠٠ صفحة.
-الكتاب الكبير: أكثر من ٢٠٠ صفحة.

وعند الحديث عن عدد الكتب المقروءة شهرياً، يكون الحديث عن الكتاب المتوسط والكتاب الكبير.

ماذا أقرأ؟


في النهاية، لكي تبدأ بالقراءة، عليك أن تختار المجال الذي ستقرأ فيه.
القاعدة الأساسية عند اختيار الكتب هي: أن تكون نصف الكتب التي تقرأها في مجالك “الجامعي أو العملي أو التخصصي”، والنصف الآخر تكون في شتى المجالات الأخرى.
هناك العديد من الكتب التي تطرح قوائم الكتب المميزة في مختلف المجالات، مثل كتاب (ماذا أقرأ، طارق السويدان) وكتاب (كيف تبني ثقافتك، علي العمري).

من الضروري أيضاً أن يختار المرء كتاباً في مجال يُحبه، لكي تتسهل عليه عملية القراءة والتعلم.

لكن تذكر أن “النجاح سلالم لا تستطيع أن ترتقيها ويداك في جيبك”، لذلك يجب أن تتعلم تدريجاً قراءة الكتب الصعبة والعميقة، لما فيها من فوائد عظيمة لا تجدها في الكتب البسيطة والمختصرة.


إبدأ بوضع خطة مكتوبة للقراءة، تحتوي على الكتب التي تنوي قراءتها في كل مجال خلال الـ٤-٥ سنوات القادمة، مبنية على القواعد التي سبق ذكرها.

Saturday, August 27, 2016

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


السبت، ٢٧ أغسطس، ٢٠١٦
تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


الصورة أبلغ من الكلام. فلا توجد كلمات تصف شعور الأم عند استيعابها أن ابنتها وفلذة كبدها قد فارقتها إلى الأبد.

يا دُموعَ العَينِ سِيلي، “وَا صَغيري.."،
واحمِلي أحزان قَلبي وضَميري..
كانَ شِبلاً، كانَ وَرداً نَرجِسِياً،
يَملأُ الكَونَ حَناناً مِن عَبيري..
يا دموعُ روّي أرضي،
واندُبي فَلذةَ كَبِدي..



بات هذا مشهدٌ معتاد في بلادنا الإسلامية؛ في العراق، في فلسطين، في اليمن، وفي مختلف البلاد الإسلامية. وبات هذا المشهد اليومي في سوريا، إلى درجة أن البعض بات يعتبر شهداء سوريا مجرد "أرقام".
لكنّا نتذكر كل واحد منهم، فكل واحد منهم كان محبوباً، وكل واحد منهم كان غالياً، وكل قطرة دم مسلم تسيل هي أغلى عند الله من الأرض بما فيها.
جعل المصطفى ﷺ هذا الأمر في غاية الوضوح عندما خاطب الكعبة المشرفة قائلاً: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ". قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).

ومثل هذه المشاهد ليست بالجديدة، لا على الأمة الإسلامية، ولا على المسلمين والموحدين عبر التاريخ. فلطالما تكالبت الأمم على أمتنا في أوقات الضعف، بدءاً من الصليبيين، مروراً بالتتار ومحاكم التفتيش الإسبانية، ووصولاً للفرنسيين والإيطاليين والأمريكان. فلكلٍ من هؤلاء جرائم عظيمة راح ضحيتها الملايين في كل مرة. ومن أكثر الأمم بطشاً بالمسلمين خلال القرون الثلاث الأخيرة هم الروس، فارتكبوا عبر القرون مجازر بشعة، كلٌ منها يوازي أو يزيد بشاعةً عن أفاعيلهم في سوريا اليوم.


القرم ١٧٨٣ - ١٩٧٦ م
استطاع الروس أن يبتلعوا أجزاء كبيرة من بلاد المسلمين خلال القرن الثاني عشر للهجرة، مثل القرم ومغول الشمال وتركستان والقوقاز. وبمجرد دخولهم لأي من هذه المناطق، كان الروس دائماً ما يرتكبون أبشع المجازر للتنكيل بالمسلمين، التي فاقت في بشاعتها محاكم التفتيش بالأندلس! فكانوا يراسلون الأسبان ليتعلموا منهم طرق التنكيل بالمسلمين.


كانوا في القرم يبدأون بالقتل العشوائي وهتك الأعراض، ويتفننون في تعذيب المسلمين. وكما كان في الأندلس، كان الروس يعتبرون اعتناق أي ديانة غير الديانة المسيحية الأورثودوكسية جريمة تستحق عقوبة الإعدام. فاضطر المسلمون إلى كتمان إسلامهم، وتوريثه لأبناءهم سراً، كما كان الحال مع المورسكيين بعد سقوط الأندلس. كما كانوا يُنَصِّرون المسلمين عن طريق اختطاف أطفالهم، وتربيتهم في مدارسهم النصرانية، لينشئوا بعزلة عن أهاليهم ودينهم الأصلي.
من أصل خمس ملايين مسلم في القرم، لم يتبقى فيها اليوم إلا ما يقارب نصف المليون مسلم فقط!


تركستان ١٨٧٦ - ١٩٩١ هـ
في عام ١٢٩٣ للهجرة خرجت تركستان من الحكم الإسلامي عندما أطبق الروس السيطرة على أغلب مناطقها، باستثناء تركستان الشرقية، التي سيطرت عليها الصين، وما زالت إلى اليوم تعاملهم بأبشع الطرق وترتكب فيهم المجازر.
فما أن دخل الروس تركستان حتى واصلوا ما بدأوه في القرم من جرائم بشعة. وكلما قامت ثورة إسلامية، انقضّ عليها الروس -والشيوعيون لاحقاً-، وأخمدوها بأبشع الطرق.


ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، استقلت الولايات المختلفة في إقليم تركستان، وتكونت دول مثل أوزباكستان وطاجكستان وغيرها. ولكن ما زالت روسيا قائمة إلى اليوم على إيجاد نفوذ لها في هذه الدول، حتى واجهت هذه الدول مشاكل زيادة الوافدين الروس إليها، فوصلت نسبتهم في كازاخستان مثلاً إلى أكثر من ربع السكان، وبات المسلمون فيها اليوم أقلية!


الاتحاد السوفيتي ١٩٢٢ - ١٩٩١ م
كان من أبرز سياسات السوفييت تشريد وتهجير المسلمين من أراضيهم، حتى هاجر الكثير من مسلمي تلك المناطق إلى البلاد الإسلامية المختلفة. أما من تبقى منهم فكان يوزع على مختلف المدن السوفيتية، فيكونوا أقلية أينما عاشوا.
بالإضافة إلى ذلك فكان السوفييت يوطّنون الروس في البلاد الإسلامية الضعيفة التي تقع تحت سيطرتهم، وينتزعون ملكيات الأراضي الزراعية من مسلمي تلك المناطق ويُهدوها للروس، فيُمسي المسلم فقيراً والروسي سيداً عليه. وكانوا أيضاً يُوَطِّنون غير الروس في البلاد الإسلامية، مثل توطين اليهود في القرم.

ومن أبشع ما فعله السوفييت كان تهجير شعوب مسلمة بأكملها “مثل القرم والشيشان والباشكير وغيرهم” إلى مناطق يستحيل العيش فيها، مثل سيبريا -المعروفة بجوها شديد البرودة-، حتى أُبيد في عهد ستالين أكثر من ١١ مليون مسلم بهذا السبب.

كما اعتاد السوفييت على هدم المساجد وتحويل بعضها إلى كنائس، والبعض الآخر إلى اسطبلات للخيول، وغيرها إلى مسارح ودور للخمر. وكانوا أيضاً يسرقون الأموال من الأوقاف الإسلامية ويصادرونها الأوقاف بأكملها، وكانوا يحوِّلون المدارس الإسلامية والقرآنية إلى دور للتنصير.
وفوق كل ذلك، كانوا يخصّون المسلمين بضرائب عالية جداً، عامِلين على خفض مستواهم المعيشي، بالإضافة إلى التجنيد الإجباري لهم، إلا لمن يرتد عن دين الإسلام!

ومن الظواهر التي عانى منها مسلمو الإتحاد السوفيتي في الأعوام الأخيرة قبل سقوطه كان إفرادهم بالمعاملة السيئة وغير العادلة. فكان السوفييت يَمنعون المسلمين من أداء فريضة الحج، ويمنعونهم من جمع الزكاة، وحتى من ارتداء الحجاب واللبس الإسلامي المحتشم. وأجبروا المسلمين على العمل لساعات إضافية خلال شهر رمضان ليشقّوا عليهم دينهم. بالإضافة إلى ذلك فرض الروس تعليم الفكر الماركسي وحظروا تعليم الإسلام في المدارس. وقاموا بفرض اللغة الروسية ومنع الحروف العربية، لطمس ثقافتهم الإسلامية. وحرصوا على التعليم المختلط، لما فيه من فساد للأخلاق. واستخدموا الآلة الإعلامية للسخرية من الدين الإسلامي، للتصغير من شئنه ومن شأن المسلمين.
وكانوا أيضاً يحرصون على زرع الفتن بين مسلمي الإتحاد السوفيتي لتفريق كلمتهم، وكانوا يقسّمونهم إلى وحدات صغيرة لتسهل السيطرة عليهم.


كل ذلك، رغم المزاعم الشيوعية أن “الدين أفيون الشعوب”، وأنهم “لا يؤمنون بأي دين”، إلا أنهم خصّوا المسلمين بهذا الاضطهاد والبطش دون غيرهم.


أفغانستان ١٩٧٨ - ١٩٨٩ م
في عام ١٩٧٣، تمكن محمود داوود بالتنسيق مع الروس من الانقلاب على الحكم الملكي في أفغانستان. ثم في عام ١٩٧٨، قام الحزب الشيوعي بقيادة محمد غلاب بالانقلاب عليه. وما أن تمكن الشيوعيون من أفغانستان حتى بدأوا في عدوانيتهم للإسلام مجدداً، فقتلوا في أول يوم من الانقلاب أكثر من ١٥ ألف مسلم، وقُتل أمام محمد داوود أبناؤه الـ٢٩، ثم قُتل هو وباقي أفراد أسرته.

ثم بدأ الشيوعيون بالاتفاف حول موسكو والمناداة بالشيوعية العالمية، وفتحوا بعد ذلك الأبواب أمام الجيش الروسي لاحتلال أفغانستان بحجة “حماية النظام”. فسيطر الروس على كابُل وعلى باقي أقاليم أفغانستان. وفي عام ١٩٨٠، أُبيد ما يقارب المليون مسلم على يد الروس في أفغانستان، وقوبل ذلك بالمواقف المخزية للحكومات الإسلامية.

لكن لسوء حظ الروس، كان الأفغان وما زالوا من أكثر الشعوب تمسكاً بالإسلام، ومن أكثرها عداءاً لأعداءه. فبدأت مقاومة المجاهدون الأفغان ضد الروس، وألحقوا بهم خسائر فادحة. ثم مع تطور الجهاد الأفغاني وتوفر الأسلحة المتطورة، ومع توافد المجاهدين العرب للذود عن بلاد الإسلام، أمثال الشهيد عبدالله عزام وغيره، كانت الغلبة للمسلمين في نهاية المطاف، فتمكنوا من طرد المحتل الروسي من أفغانستان عام ١٩٨٩. وكان لهذه الهزيمة سبباً مباشراً في سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١.


(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)



القوقاز والشيشان ١٧٤٠ - ١٩٩٦ هـ

تمكن الروس من احتلال بلاد القوقاز بعد معاهدة بلغراد عام ١١٥٢ للهجرة. وبعد تراجع النفوذ العثماني والفارسي في تلك المناطق، لم يجد مسلمو القوقاز سبيلاً للمقاومة إلا بالاعتماد على أنفسهم، مع التوكل على الله تعالى.

وفي عام ١٢٤١ للهجرة، تولى الإمام شامل قيادة المقاومة الداغستانية ضد الروس. فأخذ المسلمون يُنزِلون الهزائم المتتالية بالروس، وأخذوا يلقِّنون الروس دروساً في الحرب والقتال.
لكن ما أن انتهى الروس من حرب القرم، حتى قاموا بإرسال أكثر من ٣٠٠ ألف جندي إلى القوقاز للقضاء على ثورتها، فأسروا الإمام شامل في عام ١٢٨١ للهجرة، ثم بدأوا بالتنكيل بالمسلمين، وارتكاب أبشع المجازر في حقهم، بسبب حقدهم على الهزائم المتتالية التي ذاقوها.
وبعد اشتداد وطأة المستعمر الروسي في القوقاز، بدأت الكثير من العوائل الشركسية والشياشانية والداغستانية بالهجرة إلى مختلف البلاد الإسلامية.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، أعلن الشيشان انفصالهم عن روسيا، لكن لم تعترف روسيا بهذا الانفصال، فبدأت بشن الحروب عليهم. لكن لِما عُرف عن الشعب القوقازي من شدة بأس، فشل الروس في فرض سيطرتهم على الشيشان مجدداً. وحاول الروس مجدداً دخولي عاصمة الشيشان غروزني في عام ١٩٩٤، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وتناثرت جثث المحتل الروسي في شوارع غروزني.
قام الروس بعد ذلك باتّباع سياسة "المدينة المحترقة"، فقاموا بإحراق مدينة غروزني بأكملها، حتى لا يدعوا فيها مجالاً للمقاومة. وبعد أن قتل الروس معظم سكان العاصمة، سيطروا عليها.

واستمر بعد ذلك الجهاد الشيشاني ضد المحتل الروسي، فقاد شامل باساييف المقاومة، حتى أرهق البأسُ الشيشاني الروسَ، فقال أحد قادتهم "الحرب في أفغانستان تعتبر نزهة مقارنةً بالشيشان!". ثم تمكن الشيشانيون من استعادة العاصمة غروزني في عام ١٩٩٦، واضطر المحتل الروسي إلى مغادرة الشيشان، بعد أن ألحقت به المقاومة أشد الهزائم.

وما زالت روسيا، رغم استقلال الشيشان وانسحاب الروس منها، قائمة على إيجاد سُبُل جديدة لاستعادة الشيشان وإلغاء استقلالها، وما زال بوتين يُصِر على أن الشيشان جزء من روسيا!


البلقان والبوسنة ١٩٤٥ - ١٩٩٥ م
بدأ الإحتلال الروسي للبلقان إبّان الحرب العالمية الثانية، وبعد نهاية الحرب أحكم الشيوعيون قبضتهم على البلاد بعد حلف وارسو. وكعادتهم، حاربوا الإسلام فيها بقسوة لا مثيل لها في التاريخ، كما سبق الذكر عند الحديث عن الاتحاد السوفيتي.
ومع انحلال حلف وارسو عام ١٩٨٩، بدأت بلاد البلقان بالانفتاح على الإسلام مجدداً، لكن سرعان ما تدخل الروس والأوروبيون لزعزعة هذا الانفتاح، فدعموا، على سبيل المثال، الحزب الشيوعي في ألبانيا حتى بات الحزب الحاكم فيها.

لكن لم تبرز كراهية الشيوعيون للإسلام في مكان مثلما برزت في البوسنة. فبداية من خمسينيات القرن الماضي، مع تمكن الشيوعيون من يوغوسلافيا، بدأوا عدوانهم على الإسلام، فذبحوا عشرات الألوف في مدينة توزلا البوسنية، وقتلوا أكثر من ٣ آلاف مسلم في سراييفو، ولا ننسى المذبحة البشعة التي قام فيها الصرب بذبح أكثر من ٦٠ ألف مسلم والإلقاء بهم في نهر الفولجا، حتى أصبح لونه أحمر من الدماء. وغيرها من مذابح بشعة في تلك الفترة.

ومع مطلع الثمانينات، بدأت الحركات الإسلامية بالظهور في البوسنة، مثل جمعية الشبّان المسلمين بقيادة علي عزت بيجوفيتش. لكن سرعان ما زُجّ بهم في السجون في عام ١٩٨٣، بتهمة قلب نظام الحكم.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وانحلال حلف وارسو، صوّت البوسنيون على الانفصال عن يوغوسلافيا. لكن واجه الشيوعيون الصرب هذه القرار بالتسليح العام، فانطلقت حرب البوسنة عام ١٩٩٢، وارتكب الشيوعيون فيها أبشع المجازر في المسلمين، التي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفها، من القتل العشوائي والاغتصاب الجماعي المنظم، أبرزها مذبحة سربرنيتشا، فيما اكتفى العالم أجمع بالتفرج على هذه الجرائم.

ظنّ الناس حينها أن الحرب كانت بين الصِرب والبُشناق، بينما كانت في الواقع بين قوى العالم وبين مسلمي البلقان. فقال أحد القادة الصرب "نحن ندمر المسلمين لنحمي أوروبا من المد الإسلامي"!

وبالرغم من كل ذلك، كانت إرادة الله فوق كل شيء، فتمكن مسلمو البوسنة من إرغام الكروات على التفاوض معهم بعد أن طوّقوا أكثر من ٦٠ ألف جندي كرواتي في إحدى المناطق. ومع انشغال الكروات بقتال الشيوعيين الصرب، تمكن المسلمون من السيطرة على معظم مناطق البوسنة، مما أجبر العدو على قرار وقف النار عام ١٩٩٥، وإعلان قيام جمهورية البوسنة بقيادة علي عزت بيجوفيتش.

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)


بعد هذه الجولة التاريخية، نرجع إلى سوريا اليوم، لنرى تلك المجازر البشعة التي يرتكبها النظام السوري والروس في حلب وغيرها من مناطق سوريا.

لكن الله تعالى وعدنا بنصر الإسلام حين قال (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). فالتاريخ يخبرنا أنه مهما طال تجبر العدو على أرضنا، ستكون الغلبة لدين الله في نهاية المطاف.

فنسأل الله تعالى أن يُعَجِّل زوال العدو المحتل عن أرضنا، وأن يُفرحنا بفتح سوريا، فنراها حرة في الغد، وقد عاد إليها كل من أُرغم على الرحيل منها.

Saturday, July 23, 2016

فلنكن مثل ابن أبي غسان

السبت، ٢٣ يوليو، ٢٠١٦
فلنكن مثل ابن أبي غسان

الزمان: ٩٠٠ هـ، بعد سقوط الأندلس.
المكان: الأندلس، غرناطة.

رغم طول الحصار المطبق على غرناطة، وبعد أن سلمها الملك أبو عبدالله الصغير، منهياً بذلك دولة الأندلس المسلمة، رفض ابن أبي غسان التسليم والإذعان لهذا القرار الضعيف والخائن، وأبى أن تنتهي دولة الإسلام على أرض الأندلس ما دام به نَفَس. فكانت كلماته الملتهبة: "لنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه خير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعاً عن غرناطة من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها".

وعندما استسلم الناس، وبكى الرجال، وانتشرت الدعاوى الاستسلامية، وتفشت الحلول الانهزامية، قاتل ابن أبي غسان المحتل، والناس قد سلموا الأمر من حوله، فمنهم من انكسر وظن أن الأندلس قد ضاعت للأبد، ومنهم من ضعُف وردد عبثية المقاومة، ومنهم من هادن المحتل واصطف في صفه. فظل ثابتاً على موقفه وغايته، وقال "نحن لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع، ولكن لتقطر الدماء، وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعا عنها".

لكن لكل الأسباب العظيمة التي أدت إلى سقوط الأندلس المتواتر عبر القرون، ضاعت صيحته بين الناس، حتى وجد نفسه وحيداً في ميدان المعركة، ولم يجد جواباً غير الصمت والحزن.

وكانت نهايته عندما يئس من تجميع الناس، وما تبقت له حيلة، حتى لبس لئمة الحرب، وامتطى جواده، وانقض على مجموعة من فرسان النصارى، فقتل منهم من قتل، حتى أصيب برمح فأُسقط عن جواده. ورغم كل ذلك أبى الإستسلام، وراح يدافع عن شرف الأمة بخنجر وحيد في يده، حتى لقى ربه.

...

موسى ابن أبي غسان، رغم كل بطولاته، استهزء به الناس في الأندلس حينها، وتجاهلته المصادر التاريخية العربية تماماً بعدها.
واليوم نحن نشهد فترة ممثالة تعصف بالأمة، ففي كل بقعة من ديار المسلمين نجد مصيبة تمر بهم، وفي كل أرض نجد من قد استسلم وظن أن الأمة لن تقوم أبداً بعد اليوم، ومنهم من تصهين أو وهن أو ضعف، فردد عبثية المقاومة في وجه الطاغية والمحتل.

وقد يأتي يوماً نُختبر فيه، ونُخَيَّر فيه بين التضحية بكل ما هو غالٍ ونفيس، وبين الركود والإستسلام.
ورغم كل ما قد يقوم به أحدنا من تضحيات جسام، قد يستهزء به الناس، وقد يتخلى عنه أقرب الناس إليه، وقد تُشَوه سيرته بعد ذلك.
وعلى الأغلب، رغم كل التضحيات، لن يعلم أحد عن هذه التضحيات سوى الله عز وجل.

لكن كما كان ابن أبي غسان، نحن لا نقوم بذلك ابتغاء الشهرة، إنما دفاعاً عن شرف هذه الأمة، وإعلاءً لكلمة الله سبحانه، كما فعل الآلاف من إخواننا على مر التاريخ الإسلامي، في بغداد، في القدس، في الأندلس، وفي مختلف البلاد الإسلامية اليوم.
لا نقوم بذلك من أجل المليار ونصف مسلم اليوم، ولكن من أجل المليارات من المسلمين الذين لم يولدوا بعد، وليصل نور الإسلام وعدله إلى المليارات من غيرهم، وإلى كل (بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ) كما وعدنا المصطفى ﷺ.

والله سبحانه جعل هذا الأمر في غاية الوضوح عندما أخبرننا بما سنواجهه في طريقنا هذا عندما قال: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُترَكوا أَن يَقولوا آمَنّا وَهُم لا يُفتَنونَ﴾.
وعندما تأتي هذه “الفتن”، علينا أن نتذكر أمثال ابن أبي غسان. بطل مسلم، مجاهد، ومضحي، مخلص في كل ذلك، لا يرجو شهرة أو ذكر، إنما يقوم بذلك لأجل دينه وأمته، لأجل هدفه وغايته، لوجه الله لا شريك له.

وبعد وفاة ابن أبي غسان، بارك الله له بذلك في جهده، فكان لتضحياته سبباً في قيام ثورة جبال البشرات، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إعادة الإسلام للأندلس، لولا الفتنة والخيانات التي واجهتها.

فلنكن مثل ابن أبي غسان.

Saturday, June 25, 2016

هل سنعيش ألف سنة؟!

السبت، ٢٥ يونيو، ٢٠١٦

هل سنعيش ألف سنة؟!


لكل منا يومٌ في السنة، يزداد فيه عداد عمره لعام آخر، فيحمد الله أن أمد له في عُمُرِه، ثم يتسائل المرء فيمَ قضى هذا العام؟
ويتسائل:
ما مدى حسن استغلالي لهذا العام في التقدم إلى غايتي في الحياة؟
أي الأعمال التي قمت بها خلال هذا العام قدمني الأكثر إلى غايتي؟
هل أنا أقرب الآن إلى غايتي مما كنت عليه قبل عام؟

هل سنعيش ألف سنة؟
ليس المقصود العيش لألف سنة بهذه الحياة الدنيا. فما نبتغي من هذه الحياة الدنيا إلا أن نحقق بها الهدف والغاية التي خلقنا الله لأجلها. فغايتنا، كما هي غاية جميع الدعاة والصالحين من قبلنا، هي إعمار الأرض لعبادة الله. وأي عمل نقوم به خلال حياتنا من المفترض أن يؤدي، في النهاية، إلى هذه الغاية.

إنما القصد “كم ستبقى ذكرانا بعد رحيلنا؟”. فكما قال البصري رحمه الله “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك، ذهب بعضك”. وبذلك لكلٍ منا ساعات معدودات في هذه الحياة، فمن يُحسن إستغلال هذه الساعات بشكل أفضل من غيره، نحو غايته، يدوم أثره بعد رحيله، فعيش لألف سنة وأكثر، كما ذَكَرنا الآن البصري رحمه الله بعد أكثر من ألف عام من وفاته.

﴿قالَ كَم لَبِثتُم فِي الأَرضِ عَدَدَ سِنينَ ۝ قالوا لَبِثنا يَومًا أَو بَعضَ يَومٍ فَاسأَلِ العادّينَ ۝ قالَ إِن لَبِثتُم إِلّا قَليلًا لَو أَنَّكُم كُنتُم تَعلَمونَ﴾

فكم ستبقى ذكرانا؟
هناك درجات عدة من الذكرى يحضى بها الأفراد:
  1. العيش لأكثر من 50 سنة بعد الوفاة. فيتذكره أبناءه وأبناءهم، وربما أبناءهم أيضاً، لكن تتوقف الذكرى عند هذا الحد.
  2. العيش لأكثر من قرن. ربما بكتاب كتبه، أو بإنجاز علمي حققه، أو ما أثره قد يستمر لأكثر من قرن.
  3. العيش لأكثر من خمسة قرون. وهؤلاء هم من يتركون آثار عظيمة تشهد لهم لقرون طويلة، يصعب على الناس نسيانها ما دامت باقية.
  4. العيش لألف سنة أو لأبد الدهر. وهؤلاء هم عظماء التاريخ، الذين يتركون آثاراً يستعصي على الدهر محوها، فيبقون في ذاكرة كل الأجيال من بعدهم.

فما نقوم به من أعمال عاماً بعد عام، وما نسمو لتحقيقه من غايتنا في حياتنا، إلى أي درجة من تلك الدرجات سيوصلنا؟

بقدرِ الكدِّ تكتسبُ المعالي     ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد     أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلاً          يغوص البحر من طلب اللآلي

هكذا أجابنا الإمام الشافعي على هذا السؤال بكل اختصار وبكل وضوح وحتمية.
فإن كنا نرمو لأن نقدم في حياتنا هذه ما سيُخلِّد ذكرانا بعد رحيلنا، وما سيكون لنا صدقةً جاريةً من بعدنا (إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : .. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ..)، فعلينا أن نعمل ونخطط على هذا القدر، ونقيس مقدار جهدونا بمقدار غاياتنا، ولا نتطلع للراحة والكسل ونحن في هذا الطريق.

ثم بعد ذلك، نتذكر أننا مطالبون بالجهد، والنتيجة على الله عز وجل. نحن مطالبون بالتخطيط لغايتنا في الحياة، ومتابعة تقدمنا في خدمة هذه الغاية عاماً بعد عام، وبعد ذلك نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا باستخدام جهودنا في خدمة هذا الدين ونصرة هذه الأمة التي يتفانى الملايين يومياً لخدمتها ونصرتها.

أما الذكرى، فليست هي الغاية، بل يتكرم الله بها على من يشاء من عباده، فيخلد هذا كريماً أبد الدهر، ويخلد هذا ظالماً إلى يوم القيامة. وهناك من العظماء من قاموا بأعمال عظيمة نهضت بهذه الأمة، لكن لم يُكتب لهم أن يُخلَّدوا في التاريخ، وأولئك أجرهم على الله.

فعلينا أن نحسن التخطيط لغاياتنا، ونتقن الجهد بعد ذلك، متوكلين على الله، كل ذلك لوجه الله، عسى أن نقدم شيئاً لهذا الدين وهذه الأمة، يشفع لنا بعد رحيلنا.

Saturday, May 28, 2016

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟

السبت، ٢٨ مايو، ٢٠١٦

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟



"سؤالي الأول لكم، ما هو سبب طلبنا للعلم في المدارس والجامعات؟"
فكان جواب الطلبة بالإجماع: "لنحصل على وظيفة"!
"إذاً نحن ندرس 12 سنة بالمدرسة، ثم ندرس 5 سنوات بالجامعة، بمجموع 17 سنة دراسية على الأقل، فقط لنحصل على وظيفة ما؟!"...

عندما أرى أن غالبية طلاب المرحلة الثانوية يؤمنون بأن السبب الأساسي لتكبدهم عناء طلب العلم لسنوات عديدة من حياتهم هو الحصول على وظيفة، لا أتعجب من كون بعضهم يتفلت من الدراسة، والغالبية منهم لا يجتهدون في اختيار تخصصاتهم الجامعية، لعدم وضوح الرؤية المستقبلية لديهم، والدافع من وراء هذه الدراسة.
لكن ما يؤسفني كثيراً هو رؤية العديد من شباب دعوتنا والعاملين بها يعزفون عن طلب العلم، ظناً منهم أنه لم يعد من الضروري التميز والتنافس في طلب العلم، وهم مَن نحسبهم أصحاب همة ورؤية وطاقة لرفعة هذه الأمة.

إذاً، هل ما زال من الضروري لهذه الدعوة وهذه الأمة التميز في طلب العلم؟ أم أصبحنا اليوم في عالم جديد، لم يعد العلم المحرك الأساسي فيه للأمم والحضارات؟ 


القرون الأولى وحضارة الإسلام
نكررها كثيراً، لكن أليس أول ما نزل من منهجنا وكتابنا المنير كلمة "اقرأ"؟ جيل الصحابة والتابعون الكرام فهموا هذا المبدأ بأعماقه وبُعد أثره في مجد هذه الأمة. فبعدها سعت هذه الأمة نحو العلم، فخرّجت أجيالاً من العلماء الذين غيروا مجرى تاريخ البشرية. خرّجت أمة الإسلام من الفقهاء أمثال ابن عباس وأبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، ومن الأدباء أمثال الفراهيدي وسيبويه والدؤلي، ومن العلماء أمثال الكندي وابن حيان والخوارزمي وابن الهيثم والبيروني والإدريسي والجزري وابن النفيس وابن خلدون، وغيرهم في شتى مجالات العلم. فنجد في تاريخنا المكتشفين والمخترعين والمعماريين والأطباء والكيميائيين والفيزيائيين، فهم مؤسسو قواعد معظم العلوم الحديثة اليوم، وهم من بنوا حضارة الإسلام.

نعم، هكذا رفع الله تعالى هؤلاء بعلمهم. نعم، هكذا استخدم الله تعالى هؤلاء في رفعة هذه الأمة. فبالعلم نهضت بغداد، وبالعلم نهضت قرطبة، وبالعلم نهضت إسطنبول. وعندما نُزع العلم من أمتنا، سقطت بغداد، وسقطت قرطبة، وسقطت إسطنبول. ثم بالعلم، نهضت اليوم إسطنبول من جديد، وبالعلم ستنهض بغداد غداً بإذن الله تعالى، وبالعلم سنستعيد قرطبة بإذن الله تعالى.

ثم بعد أن وصلنا إلى قمة مجدنا وحضارتنا في عهد سليمان القانوني، بدأنا بعده بالانحدار شيئاً فشيئاً. فيؤكد المحللون التاريخيون أن أحد الأسباب الأساسية التي دفعت أمتنا الى هذا السقوط المتواتر والمتتابع، هو الابتعاد عن طلب العلم وتحصيله والانشغال بتطبيقه وتبسيطه فقط، خصوصاً بعد زمن القانوني. فبعد القرن السادس عشر لا نكاد نجد اسم عالِم مشهور من علماء المسلمين. وتزامناً مع ذلك، كان انحدار هذه الأمة من قمتها إلى قاع الذل، حيث باتت باقي الأمم تداعى علينا كما نبأنا المصطفى ﷺ. وفي المقابل كانت الثورة العلمية في أوروبا، حتى وصلوا بالعلم إلى ما وصلوا إليه اليوم من مجد وحضارة.

﴿إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾

الصحوة الإسلامية والنهضة بالعلم من جديد
ثم مع بداية القرن العشرين، ومن انطلاق الصحوة الإسلامية، بدأت هذه الحركة المباركة تحت شعار واضح وصريح "وأعِدّوا". وأجيال هذه الدعوة فهمت هذا المبدأ بوضوح، وفهمت ما فهمه جيل الصحابة والتابعين الكرام ومن تبعهم من أهمية طلب العلم والتميز فيه لرفعة هذه الأمة وانتشالها من حمى الذُل والهوان. فخرّجت هذه الحركة الإسلامية من المعلمين والأكاديميين أمثال الإمام البنا ومصطفى السباعي وفتحي يكن وعبدالله عزام ويوسف القرضاوي وداوود أوغلو، ومن الأدباء أمثال محمد إقبال وسيد قطب ويوسف العظم، ومن الأطباء أمثال عبدالعزيز الرنتيسي ومحمود الزهار ومحمد بديع ومحمود عزت وعبدالرحمن السميط، ومن المهندسين أمثال يحيى عياش وخيرت الشاطر وعبدالله البرغوثي، ومن القانونيين أمثال حسن الهضيبي وعبدالقادر عودة وعمر التلمساني وعلي الطنطاوي ومأمون الهضيبي وعيسى بن محمد، وغيرهم الكثير في مختلف مجالات العلم.

فلا نكاد نجد رمزاً من رموز الحركة الإسلامية إلا وكان متميزا في طلبه للعلم متفانيا في ذلك. فما نهضت هذه الدعوة المباركة إلا برموز كهؤلاء، فهِموا المبدأ والرسالة والطريق، وسعوا نحوها متكبدين عناء طلب العلم، رغم أن أغلبهم كان يُحارب في دراسته وفي وظيفته وفي حياته الدعوية.

وفي جيل آبائنا الأفاضل، نرى عشرات المعلمين والأكاديميين والأدباء والعلماء والأطباء والمهندسين والقانونيين والإداريين والسياسيين وغيرهم، فتميز كلٌ منهم بمجاله، حتى بات التميز العلمي مربوطاً بهذه الدعوة، فيشار لكل من ينتمي لها بالعلم والرجاحة.

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟
ثم نعود إلى يومنا هذا لنرى العديد من الشباب العاملين بهذه الدعوة والقائمين عليها يعزفون عن التميز والتنافس في طلب العلم. فبعد أن كان أغلب الإخوة في السابق يحملون شهادة الدكتوراه على الأقل، صرنا نرى حملة شهادة الماجستير محدودين، وحملة شهادة الدكتوراه يعدون على أصابع الكف!

فإن كنا على وعي تام بأهمية العلم في رفعة الأمة، بين "اقرأ" و"أعدوا"، بين ابن عباس والقرضاوي، بين الجزري وعياش، فلماذا هذا العزوف عن طلب العلم؟ لماذا أصبحنا نكتفي بالشهادة الجامعية فقط؟ لماذا نعتقد أن جهودنا الدعوية أهم من طلب العلم وشعارنا "وأعِدّوا"؟ فلنَعُد لهذا "الإعداد" نحو أستاذية الأمة للعالم، فكيف بنا إن وصلنا لأستاذية العالم ولم نجد من العلماء من يبني لنا الحضارة؟ بل من المستحيل أن نصل لها ما لم يكن العلماء من عمّروا ومهّدوا طريقنا نحوها!

إني لأخشى أن يؤثر هذا الفهم الخاطئ لأهمية طلب العلم على مستوى دعوتنا في البحرين وعلى أثرها الدعوي المستقبلي. نعم، أقول في البحرين بشكل خاص، وفي دول الخليج "المترفة" بشكل أعم، لأَنِّي أرى إخوتنا في باقي الدول العربية والإسلامية ما زالوا يفهمون أهمية هذا المبدأ، خصوصا في الدول المبتلاة، كمصر وسوريا والعراق وغيرهم. ولنا في أحد شعارات "الكتلة الإسلامية" بفلسطين مثال واضح على فهم أهمية طلب العلم:

خرّجنا رجال؛ شهداء وعلماء وأسرى
نربّي الأجيال، ونزحف لنعيد المسرى


رسائل إلى طلبة وخرّيجي المدارس والجامعات:

١-فهم الهدف من الدراسة: نحن نسمو في طلب العلم لكي نرقى بديننا وأمتنا ودعوتنا. فنحاول أن نقدم لأمتنا خير طاقاتنا في مجالنا، فنكون أفضل المعلمين، وأفضل الأدباء، وأفضل العلماء، وأفضل الأطباء، وأفضل المهندسين، وأفضل القانونيين، وأفضل الإداريين، وأفضل السياسيين، فنكون بذلك أفضل الدعاة بإذن الله تعالى. لذلك، الغرض الأساسي والأهم من الدراسة هو تحصيل العلم والتميز في ذلك، وليس تحصيل الدرجات فحسب، فالعلم هو الذي يرفع الأمم، وليست الشهادات.

٢-اختيار التخصص: احذر من أن تجعل "سوق العمل" هو المحرك الأساسي لاختيارك لتخصصك. بل اختر التخصص الذي تحب، واختره بناءً على مطابقته لشخصيتك وقدراتك، بعد التعرف عليها من خلال التجارب العملية ومن خلال اختبارات الشخصية والتخصص. ثم اسعَ للتعرف أكثر على هذا التخصص من خلال سؤال من تميز فيه من إخوانك، واقرأ سير من أبدع في هذا التخصص، حتى تتعرف على التخصص جيداً قبل أن تقرر أن تسعى نحوه. ولا تخف من الابتعاد عن التخصصات المعروفة والتخصص في ما هو نادر، ولنا في تغريدة الإمام القرضاوي أفضل شرح لذلك:

٣-الدراسات العليا: الدراسة في المدرسة تكون عامة بشكل مطلق حتى المرحلة الإعدادية ، ثم في المرحلة الثانوية نتخصص بشكل بسيط، ثم في مرحلة البكالوريوس نختار تخصصنا الذي نريد، ونسعى للتميز فيه. لكن حتى بعد نهاية مرحلة البكالوريوس يكون التخصص عاماً وشديد الاتساع. لذلك أصبح اليوم من الضروري على من يسعى للتميز في مجاله أن يتجه نحو الدراسات العليا ودراسة الماجستير بحد أدنى، حتى يتخذ تخصصاً دقيقاً ويركز عليه، ليتميز فيه عن غيره. أما دراسة الدكتوراه ففي الغالب لا يسعى لها إلا من أراد الحياة الأكاديمية، كالمحاضر الجامعي أو الباحث العلمي.

٤-التميز في المجال: بعد كل ذلك، يبقى عليك إثبات نفسك في مجالك إن كنت تريد حقاً أن تخدم أمتك ودعوتك في مجالك. عليك أن تكون الأفضل فيه، وعليك أن تضل تسعى دائماً إلى تطوير نفسك فيه، وإلى الحصول على أحدث العلوم فيه، فالعلم لا يتوقف أبداً ما حييت! واظب على قراءة آخر الكتب في تخصصك، واظب على متابعة أهم المتحدثين في تخصصك، واظب على متابعة آخر أخبار تخصصك، واجعل أثناء كل ذلك رؤيتك وأمتك نصب عينيك، كي يكون علمك هو أداتك نحو أستاذية الأمة للعالم.

وإني على ثقة أن أمتنا ستكون قريباً منافساً قوياً في المجال العلمي عالمياً، فجهّز نفسك لتكون ممن تعتمد عليهم الأمة في مجالك.

(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)

Sunday, April 17, 2016

يومي الأول في القدس

السبت، ١٦ أبريل، ٢٠١٦


هكذا سأقضي يومي الأول في القدس


كل لحظةٍ تمضي يكون فيها الأقصى تحت سيطرة اليهود، هي لحظة ذلٍ وهوانٍ مكتوبةٌ علينا. لكنّا سنظل في كل يومٍ نعمل من أجل قضيتنا، حتى يحرره الله تعالى من براثنهم بإذنه تعالى. فهو محررٌ إن شاء الله، حتماً لا حلماً، وإني متيقنٌ من ذلك الفتح القريب، أكاد أراه رأي العين. بل إني قد خططت مسبقاً كيف أقضي يومي الأول في القدس بإذن الله.

حتماً سأبدأ جولتي في القدس الشريف من المسجد الأقصى المبارك. سأدخله صاعداً من باب المغاربة الذي دخله منه المصطفى ﷺ، وعمرُ رضي الله عنه من بعده، وأول ما سأقوم به هو سجدة شكرٍ لله تعالى أن بلغني هذا الأمر، سجدة شكرٍ لله تعالى أن بلغني ما تمنيتهُ وعملت لأجله منذ نعومة أظافري، سجدة شكرٍ لله تعالى أن قد منَّ علي فأوقع حبه في قلبي لكي أصل إلى سجدتي هذه.

سأتجول بعدها في باحاته، ماراً بمصاطب العلم والآبار والأسبلة والقباب، في طريقي إلي قبة الصخرة، فأتأمل بركة هذه الأرض الطاهرة، وأشتم رائحة الزيتون المروعة عبر السنين، سأستشعر نسيم ريح القدس على جبيني، ثم سأملأ عينيّ بعظمة بناء قبة الصخرة.
ياللهول، إنها أكبر وأعظم مما تخيلت. يا لها من تحفةٍ فنية، فهذا أجمل ما بنى بنو البشر. لولا اشتياقي لرؤية باقي القدس لقضيت يومي كلّه متأملاً هذا الجمال.

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها

سأقرأ، قبل أن أتشرف بدخولها، سورة “يس” المخطوطة على جدرانها. ثم سأدخل مصلى قبة الصخرة من الباب الشرقي المقابل لقبة السلسلة، وأتسائل “أما آن لهذه الأبواب أن تُغطى بالذهب من جديد؟”.
فإذا بهذا المبنى داخله أجمل من خارجه! ثم سأصلي ركعتين في المغارة تحت الصخرة، فأقرأ في الركعة الأولى آية الكرسي، وفي الثانية سورة الإخلاص، المكتوبتين من حولي.
سأستشعر بركة المكان الذي أقف فيه. نعم، فهذا هو مركز البركة في الأرض (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، وإلى هذا المكان سينادى الناس فيحشرون يوم القيامة (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ)، وإلى هذا المكان توجه خير الأنام ﷺ مصلياً لمعظم حياته بعد البعثة.

بعد خروجي من مصلى قبة الصخرة من بابه الجنوبي، سأتوجه شمالاً إلى المصلى المرواني، فهو أحدث مصليات المسجد الأقصى.
سأستعيد في طريقي إليه شريط التاريخ في مخيلتي، فأرى المصطفى ﷺ فوق البراق من خلفي، وأرى جمع الأنبياء والمرسلين يؤمهم النبي ﷺ على الساحة التي أمشي عليها، ومن هنا دخل عمرُ رضي الله عنه حافياً وهو يجر بعيره، ومن أمامي اعتكف الغزالي كاتباً الإحياء، وهنا حمل صلاحٌ منبر نور الدين زنكي، وهنا وهنا وهنا. فلكل شبر في هذا المكان المقدس تاريخٌ وقصص.
ثم سأنزل إليه لأستعيد ذكرى هذا المبنى، بما مر عليه من عهود الصليبيين، وعهود الفاتحين المسلمين، إلى أن من الله علينا فحُوّل إلى مصلى في زماننا هذا.
ثم سأستشف، بين جدرانه، المستقبل المنير لهذه الأمة، فهذه القدس وقد تحررت، وما يفصلنا عن أستاذية أمتنا للعالم إلا الزمان بإذن الله.
وبعد خروجي منه صاعداً سأتوجه إلى باب الرحمة، فأنظر من خلف السور في طريقي إليه، لأرى قبور الصحابة والشهداء، فأتذكر:

في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها
الكل مرُّوا من هُنا
فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
اُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ
فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ
والتاتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهُلّاكُ، والفقراءُ والمُلّاكُ، والفجارُ والنساكُ،
فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى
كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا!

وأرى جبل الزيتون برهةً، ثم يلمح ناظري من بعيد بقايا ذلك الجدار العنصري الفاصل، الذي بناه اليهود فكان سبباً في إهلاكهم. لكن ليبقى شاهداً عليهم، أنهم حينما حكموا بطشوا، واليوم هانوا وخنعوا واستذلوا.

أعادني من عالم التاريخ صوت الأذان المقدسي منادياً لصلاة المغرب، فأتوجه للجامع القِبلي، ماراً بمدخل الأقصى القديم، فأدخل الجامع لأتقدم الصفوف.
أمّا هنا فلي وقفةٌ خاصةٌ بي، فذروني وحدي حتى أُنهي صلاتي الأولى بالمسجد الأقصى...

يا له من جامعٍ بهي. في كل شبرٍ أرى تاريخنا مسطراً عليه، وفي كل شبرٍ أرى عبقرية الهندسة الإسلامية عبر القرون.
سأعود الآن أدراجي إلى حيث دخلت، لأخرج فأتجول في البلدة القديمة بالقدس وأحيائها وحاراتها وأزقّتها وأسواقها، فإذا بها مدينة أخرى غيّر الغروب شكلها!

هذا جزءٌ من يومي الأول بالقدس، فإن لم يكتب الله لي ذلك، فأسأله ألا يقبضني إليه إلا شهيداً في سبيل تحريرها، فأقضي هذا الأمر في جنات الفردوس بإذن الله تعالى.

وإلى حين أن يكتب الله لنا إحدى الحسنيين:

سأسألُ رَبِّي، وأمضي بِدَربي بِروحي وقَلبي، ولَن أستَكين
فهذا يَميني، لِرَبي وديني وشَعبي الثخينِ، ولا لَن أخون

Saturday, March 26, 2016

أي يوم ستختار؟


السبت، ٢٦ مارس، ٢٠١٦


لو خُيِّرت لتختار يوماً من أيام الإسلام، لتراه رأي العين، أي يوم ستختار؟


ليت عينَيَّ تتباركان برؤية سيد الخلق ﷺ داخلاً المدينة المنورة، والناس تهلل من حوله، يخطو أولى الخطوات مؤسساً أول دولةٍ إسلامية، لتمتد من يومها فتبلغ أقاصي الأرض. ليت أُذُنَيَّ تمتلئان بدوي الوغى يوم (ذاتِ السلاسل). ليتني أشهد عظمة القعقاع في مواجهة ذلك الفيل الأبيض العظيم في (القادسية)، أو أراه مُكبِّراً بقصر (المدائن) مُنهِياً دولة الفرس للأبد. ليتني أقف إلى جنب خالدٍ وهو يخطط بكل عبقريةٍ عسكرية، فاتحاً بلاد الشام وما وراءها من العالم. ليتني أبكي عند بكاء بلال وهو يؤذن أول نداءٍ للإسلام، محولاً (إيلياء) إلى القدس.

ليتني أستمع إلى عُقْبة مخاطباً البحر ومبشراً العالم بالفتح الإسلامي. ليتني أرى طارقاً بـ(وادي لَكَّة) يطرق أبواب الأندلس فاتحاً وأميراً. ليتني أشهد الغافقي وجيشه وهم على أبواب باريس. ليتني أُدرك ألب أرسلان بـ(ملاذكرد) وهو يكسر بجيشه الصغير غرور إمبراطور بيزنطة. ليتني أرى ابن تَشَفين ملبياً نداء الأندلس بـ(الزلاقة)، مُمدداً في عهدها الإسلامي أربعة قرونٍ أخرى. ليتني أرى صلاح الدين حاملاً منبر نور الدين زنكي إلى المسجد الأقصى محققاً حلمه. ليتني أستمع لقطز منادياً "وا إسلاماه" داحراً مد التتار في (عين جالوت). ليتني أرى أسوار (القسطنطينية) تنكسر مُرحبةً بالإسلام. ليتني أرى الصفوي وهو يبكي حسرةً على ما أذله به خادم الحرمين سليم الأول. ليتني أشهد القانوني فاتحاً المجر بعد (موهاج)، ليصل بالإسلام إلى ذروة مجده وعزته. ليتني أشهد بربروسا على سفينته بـ(بَروزة)، مُنهياً أكبر أسطولٍ بحري صليبي في التاريخ، ومُطبِقاً قبضة الإسلام على الأبيض المتوسط لأعوامٍ مديدة. ليتني أرى السلطان أورنكزيب متأملاً قبور إخوته وأمه وأبيه بـ(تاج محل). 

ليتني أرى السلطان عبدالحميد راداً هرتزل صاغراً وذليلاً مطئطئاً رأسه إلى أذنابه متحسراً على حلمه. ليتني أرى القسام وهو يبني مخططه العبقري لإنهاء الوجود اليهودي بالأرض المقدسة. ليتني أجلس بين يدي ياسين متعلماً نهج المقاومين الفاتحين.

ليتني أحضر مجلساً علمياً لابن عباس أو ابن جبير أو الشعبي أو أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل أو الثوري أو ابن المبارك أو البصري أو البخاري أو مسلم أو الطبري أو الغزالي أو النووي أو ابن تيمية أو الذهبي أو الجزري أو ابن النفيس أو ابن خلدون أو الإمام البنا أو المودودي أو سيد قطب.. ليتني، وليتني، وليتني..

لو حاولت حصر أيام الله التي أود أن أراها لجف قلمي. لكنّي في نهاية الأمر، لو خُيِّرتُ أيُّ المشاهد أود أن تراه عيناي، لاخترت بكل تأكيد ليلة الإسراء والمعراج، وسيد الخلق ﷺ إماماً لجميع الأنبياء والمرسلين بالمسجد الأقصى المبارك.

يا بَيتَ المَقدِسِ أخبِرنا أنباءَ الماضي والحاضِر
ذكِّرنا فَتحَ الإسراءِ، والرُسلُ وقوفٌ في المسجد
وإمامُ الرُسلِ مُحَمدُهُم، إذ كانوا مِنهُ على مَوعد

يا له من مشهدٍ عظيم! أسأل من جَلَّ في علاه أن يُشهدنا كل ذلك في جنات الفردوس، وأن يرزقنا صلاةً في المسجد الأقصى قبل الممات.

فماذا عنك أنت، أي يومٍ ستختار؟