Sunday, July 16, 2017

إغلاق الأقصى.. الماضي والمستقبل

الأحد، ١٦ يوليو، ٢٠١٧
إغلاق الأقصى.. الماضي والمستقبل



منذ أن تسللت أصابع الظلام إلى قدسنا، كانت وما زالت تعيث الفساد في أقصانا، بدءاً بإزالة حي المغاربة واحتلال حائط البراق في اليوم الأول من سقوط القدس في عام ١٩٦٧. وفي ثمانينيات القرن الماضي، وجدت العديد من المخططات لقصف المسجد الأقصى ونسفه من الوجود، إلا أنها كشفت من قبل المقدسيين وبائت بالفشل بعد التضامن العربي مع الأقصى. وفي تسعينيات القرن الماضي، بدأت جماعات الهيكل مخططاتها نحو إعادة بناء معبدهم المزعوم مكان أقصانا المبارك، من أنفاق محفورة واقتحامات تحت الحراسة الشديدة، وما زالت جموع المقدسيين تتصدى لهم يوماً بعد يوم، وما زالوا يردونهم خائبين يوماً بعد يوم. إلا أن المرابطين بالأقصى المبارك باتوا يتلقون كيد الصهاينة بصدورهم يوماً بعد يوم، ومع تراجع الموقف العربي، يبقون لوحدهم في مواجهة أطماع اليهود في أقصانا المبارك، مما يزيد أطماع اليهود أمام ضعف الاستنكار العربي.

فمع انطلاق الألفية الجديدة، تمادى الصهاينة في الاستهزاء بمقدساتنا، فكان تدنيس الهالك آرييل شارون لأقصانا المبارك، مما أدى إلى انطلاق انتفاضة جابت ربوع فلسطين نصرة للأقصى، راح ضحيتها أربعة آلاف شهيد وقتل خلالها أكثر من ألف صهيوني. ومنذ ٣ أعوام فقط، زادت أطماع اليهود في أقصانا، وباتت خططهم معلنة ومكشوفة لتحويل الأقصى إلى معبد يهودي خاص بهم. فباتوا اليوم يرون المخطط السابق، المبني على تقسيم الأقصى بين المسلمين واليهود، كهدف تافه! ففي وسط غفلة المسلمين، هم يرون أنهم أمام فرصة تاريخية سانحة، يستطيعون خلالها أن يتفردوا بالأقصى من دون المسلمين، وهم يعملون على استغلالها في كل لحظة وحين. وباتت خططهم على هذه الشاكلة، وباتت خطواتهم بهذه الخطورة، فتلى ذلك اقتحامات أسبوعية ممنهجة، تحت حراسة وأمن شديدين. وبعد أن كانت هذه الاقتحامات مستنكرة ومستهجنة من الحكومات العربية قبل بضع سنوات فقط، باتت اليوم تتكرر أسبوعياً من دون أن يُلقى لها أي بال، وكأننا رضينا بالواقع ورضينا بحق اليهود في ثالث مساجدنا وأولى قبلتينا! فبعد أن انتهى الصهاينة من تحويل رابع أقدس الأماكن للمسلمين إلى كنيس يهودي، وهو المسجد الإبراهيمي بالخليل، لا تتجه أنظارهم الطامعة إلا نحو الأقصى المبارك، وإن أضعنا الأقصى، لن تتجه أنظارهم إلا إلى ما تبقى من مقدساتنا في مكة والمدينة.

وبالأمس، وصلت هذه الأطماع إلى درجة خطيرة من الاستباحة والاستهزاء بمقدساتنا، فأغلق المسجد الأقصى المبارك، وتم إخلاءه من المصلين، حتى بات الأقصى وحيداً خالياً من جموع المسلمين، وبه مجموعة من إخوة القردة والخنازير، يعيثون به ويمرحون بأرجاءه، يدنسون طهره ويستبيحون مقدساته، يعتدون على كل ما هو ثمين به، ويسرقون محتويات متحفه ويقتلعون أبوابه، ويفتشون قبة الصخرة والجامع القبلي ويقلبون محتوياتهما رأساً على عقب.

واليوم، وللمرة الأولى منذ ٥٠ عام، لا تقام صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك. فمنذ أن فتحه عمر رضي الله عنه، كانت صلاة الجمعة تقام في الأقصى أسبوعياً. ومنذ أن فتحها صلاح مجدداً، لم تنقطع صلاة الجمعة عن الأقصى إلا في بعض الأسابيع النادرة. واليوم، لا تقام صلاة الجمعة فيه، بعد أن لم تنقطع عنه لأكثر من ٢٥٠٠ أسبوع متتالي.
واليوم، وللمرة الأولى منذ ٥٠ عام، لم يرفع الأذان في الأقصى ليوم كامل، والأقصى خالياً ينتظر من يصلي فيه، فكل صلاة به بـ٥٠٠، وهو خال ينتظر جموع المسلمين ليصلوا فيه.
واليوم، أعلنت الأوقاف الإسلامية بالقدس عن فقدانها التام للسيطرة على المسجد الأقصى المبارك، وأعلنت حكومة الاحتلال أنها لن تعيد فتح الأقصى حتىضمان الأمن فيه، وبدأوا باعتقال كل من يحاول دخوله.

وهذا نداء إلى جميع الحكومات العربية لاستنكار هذا الإغلاق للمسجد الأقصى المبارك، ودعوة لهم إلى الضغط الدولي لكي يتم إعادة فتحه للمسلمين، فهو حق للمسلمين في الشرائع الإسلامية وفي القوانين الدولية، كما نصت منظمة الأمم المتحدة.

ومن الواجب أن يكون هذا الضغط غير مسبوق، لنكون دعماً لإخواننا المرابطين على أعتاب الأقصى، فإن لم يأت هذا الضغط، سيتمادى الصهاينة في خطواتهم كما فعلوا في السنوات الأخيرة، ولن يتبع هذا الإغلاق المؤقت إلا إغلاق نهائي. ندعو إلى إعادة الأقصى للمسلمين قبل فوات الأوان، فالمقدسات إن فقدت لن تسترجع ولو بمليء الأرض من المال. فبالأمس احترق منبر نور الدين، ولن نتمكن من استرجاعه ما حيينا. وإن ضاع الأقصى أو هدم أو حوّل، فسيذكر المسلمون عبر التاريخ أننا نحن من أضعنا أقصاهم.

﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَن يُذكَرَ فيهَا اسمُهُ وَسَعى في خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُم أَن يَدخُلوها إِلّا خائِفينَ لَهُم فِي الدُّنيا خِزيٌ وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]