Saturday, June 25, 2016

هل سنعيش ألف سنة؟!

السبت، ٢٥ يونيو، ٢٠١٦

هل سنعيش ألف سنة؟!


لكل منا يومٌ في السنة، يزداد فيه عداد عمره لعام آخر، فيحمد الله أن أمد له في عُمُرِه، ثم يتسائل المرء فيمَ قضى هذا العام؟
ويتسائل:
ما مدى حسن استغلالي لهذا العام في التقدم إلى غايتي في الحياة؟
أي الأعمال التي قمت بها خلال هذا العام قدمني الأكثر إلى غايتي؟
هل أنا أقرب الآن إلى غايتي مما كنت عليه قبل عام؟

هل سنعيش ألف سنة؟
ليس المقصود العيش لألف سنة بهذه الحياة الدنيا. فما نبتغي من هذه الحياة الدنيا إلا أن نحقق بها الهدف والغاية التي خلقنا الله لأجلها. فغايتنا، كما هي غاية جميع الدعاة والصالحين من قبلنا، هي إعمار الأرض لعبادة الله. وأي عمل نقوم به خلال حياتنا من المفترض أن يؤدي، في النهاية، إلى هذه الغاية.

إنما القصد “كم ستبقى ذكرانا بعد رحيلنا؟”. فكما قال البصري رحمه الله “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك، ذهب بعضك”. وبذلك لكلٍ منا ساعات معدودات في هذه الحياة، فمن يُحسن إستغلال هذه الساعات بشكل أفضل من غيره، نحو غايته، يدوم أثره بعد رحيله، فعيش لألف سنة وأكثر، كما ذَكَرنا الآن البصري رحمه الله بعد أكثر من ألف عام من وفاته.

﴿قالَ كَم لَبِثتُم فِي الأَرضِ عَدَدَ سِنينَ ۝ قالوا لَبِثنا يَومًا أَو بَعضَ يَومٍ فَاسأَلِ العادّينَ ۝ قالَ إِن لَبِثتُم إِلّا قَليلًا لَو أَنَّكُم كُنتُم تَعلَمونَ﴾

فكم ستبقى ذكرانا؟
هناك درجات عدة من الذكرى يحضى بها الأفراد:
  1. العيش لأكثر من 50 سنة بعد الوفاة. فيتذكره أبناءه وأبناءهم، وربما أبناءهم أيضاً، لكن تتوقف الذكرى عند هذا الحد.
  2. العيش لأكثر من قرن. ربما بكتاب كتبه، أو بإنجاز علمي حققه، أو ما أثره قد يستمر لأكثر من قرن.
  3. العيش لأكثر من خمسة قرون. وهؤلاء هم من يتركون آثار عظيمة تشهد لهم لقرون طويلة، يصعب على الناس نسيانها ما دامت باقية.
  4. العيش لألف سنة أو لأبد الدهر. وهؤلاء هم عظماء التاريخ، الذين يتركون آثاراً يستعصي على الدهر محوها، فيبقون في ذاكرة كل الأجيال من بعدهم.

فما نقوم به من أعمال عاماً بعد عام، وما نسمو لتحقيقه من غايتنا في حياتنا، إلى أي درجة من تلك الدرجات سيوصلنا؟

بقدرِ الكدِّ تكتسبُ المعالي     ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد     أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلاً          يغوص البحر من طلب اللآلي

هكذا أجابنا الإمام الشافعي على هذا السؤال بكل اختصار وبكل وضوح وحتمية.
فإن كنا نرمو لأن نقدم في حياتنا هذه ما سيُخلِّد ذكرانا بعد رحيلنا، وما سيكون لنا صدقةً جاريةً من بعدنا (إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ : .. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ..)، فعلينا أن نعمل ونخطط على هذا القدر، ونقيس مقدار جهدونا بمقدار غاياتنا، ولا نتطلع للراحة والكسل ونحن في هذا الطريق.

ثم بعد ذلك، نتذكر أننا مطالبون بالجهد، والنتيجة على الله عز وجل. نحن مطالبون بالتخطيط لغايتنا في الحياة، ومتابعة تقدمنا في خدمة هذه الغاية عاماً بعد عام، وبعد ذلك نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا باستخدام جهودنا في خدمة هذا الدين ونصرة هذه الأمة التي يتفانى الملايين يومياً لخدمتها ونصرتها.

أما الذكرى، فليست هي الغاية، بل يتكرم الله بها على من يشاء من عباده، فيخلد هذا كريماً أبد الدهر، ويخلد هذا ظالماً إلى يوم القيامة. وهناك من العظماء من قاموا بأعمال عظيمة نهضت بهذه الأمة، لكن لم يُكتب لهم أن يُخلَّدوا في التاريخ، وأولئك أجرهم على الله.

فعلينا أن نحسن التخطيط لغاياتنا، ونتقن الجهد بعد ذلك، متوكلين على الله، كل ذلك لوجه الله، عسى أن نقدم شيئاً لهذا الدين وهذه الأمة، يشفع لنا بعد رحيلنا.