Saturday, May 28, 2016

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟

السبت، ٢٨ مايو، ٢٠١٦

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟



"سؤالي الأول لكم، ما هو سبب طلبنا للعلم في المدارس والجامعات؟"
فكان جواب الطلبة بالإجماع: "لنحصل على وظيفة"!
"إذاً نحن ندرس 12 سنة بالمدرسة، ثم ندرس 5 سنوات بالجامعة، بمجموع 17 سنة دراسية على الأقل، فقط لنحصل على وظيفة ما؟!"...

عندما أرى أن غالبية طلاب المرحلة الثانوية يؤمنون بأن السبب الأساسي لتكبدهم عناء طلب العلم لسنوات عديدة من حياتهم هو الحصول على وظيفة، لا أتعجب من كون بعضهم يتفلت من الدراسة، والغالبية منهم لا يجتهدون في اختيار تخصصاتهم الجامعية، لعدم وضوح الرؤية المستقبلية لديهم، والدافع من وراء هذه الدراسة.
لكن ما يؤسفني كثيراً هو رؤية العديد من شباب دعوتنا والعاملين بها يعزفون عن طلب العلم، ظناً منهم أنه لم يعد من الضروري التميز والتنافس في طلب العلم، وهم مَن نحسبهم أصحاب همة ورؤية وطاقة لرفعة هذه الأمة.

إذاً، هل ما زال من الضروري لهذه الدعوة وهذه الأمة التميز في طلب العلم؟ أم أصبحنا اليوم في عالم جديد، لم يعد العلم المحرك الأساسي فيه للأمم والحضارات؟ 


القرون الأولى وحضارة الإسلام
نكررها كثيراً، لكن أليس أول ما نزل من منهجنا وكتابنا المنير كلمة "اقرأ"؟ جيل الصحابة والتابعون الكرام فهموا هذا المبدأ بأعماقه وبُعد أثره في مجد هذه الأمة. فبعدها سعت هذه الأمة نحو العلم، فخرّجت أجيالاً من العلماء الذين غيروا مجرى تاريخ البشرية. خرّجت أمة الإسلام من الفقهاء أمثال ابن عباس وأبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، ومن الأدباء أمثال الفراهيدي وسيبويه والدؤلي، ومن العلماء أمثال الكندي وابن حيان والخوارزمي وابن الهيثم والبيروني والإدريسي والجزري وابن النفيس وابن خلدون، وغيرهم في شتى مجالات العلم. فنجد في تاريخنا المكتشفين والمخترعين والمعماريين والأطباء والكيميائيين والفيزيائيين، فهم مؤسسو قواعد معظم العلوم الحديثة اليوم، وهم من بنوا حضارة الإسلام.

نعم، هكذا رفع الله تعالى هؤلاء بعلمهم. نعم، هكذا استخدم الله تعالى هؤلاء في رفعة هذه الأمة. فبالعلم نهضت بغداد، وبالعلم نهضت قرطبة، وبالعلم نهضت إسطنبول. وعندما نُزع العلم من أمتنا، سقطت بغداد، وسقطت قرطبة، وسقطت إسطنبول. ثم بالعلم، نهضت اليوم إسطنبول من جديد، وبالعلم ستنهض بغداد غداً بإذن الله تعالى، وبالعلم سنستعيد قرطبة بإذن الله تعالى.

ثم بعد أن وصلنا إلى قمة مجدنا وحضارتنا في عهد سليمان القانوني، بدأنا بعده بالانحدار شيئاً فشيئاً. فيؤكد المحللون التاريخيون أن أحد الأسباب الأساسية التي دفعت أمتنا الى هذا السقوط المتواتر والمتتابع، هو الابتعاد عن طلب العلم وتحصيله والانشغال بتطبيقه وتبسيطه فقط، خصوصاً بعد زمن القانوني. فبعد القرن السادس عشر لا نكاد نجد اسم عالِم مشهور من علماء المسلمين. وتزامناً مع ذلك، كان انحدار هذه الأمة من قمتها إلى قاع الذل، حيث باتت باقي الأمم تداعى علينا كما نبأنا المصطفى ﷺ. وفي المقابل كانت الثورة العلمية في أوروبا، حتى وصلوا بالعلم إلى ما وصلوا إليه اليوم من مجد وحضارة.

﴿إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾

الصحوة الإسلامية والنهضة بالعلم من جديد
ثم مع بداية القرن العشرين، ومن انطلاق الصحوة الإسلامية، بدأت هذه الحركة المباركة تحت شعار واضح وصريح "وأعِدّوا". وأجيال هذه الدعوة فهمت هذا المبدأ بوضوح، وفهمت ما فهمه جيل الصحابة والتابعين الكرام ومن تبعهم من أهمية طلب العلم والتميز فيه لرفعة هذه الأمة وانتشالها من حمى الذُل والهوان. فخرّجت هذه الحركة الإسلامية من المعلمين والأكاديميين أمثال الإمام البنا ومصطفى السباعي وفتحي يكن وعبدالله عزام ويوسف القرضاوي وداوود أوغلو، ومن الأدباء أمثال محمد إقبال وسيد قطب ويوسف العظم، ومن الأطباء أمثال عبدالعزيز الرنتيسي ومحمود الزهار ومحمد بديع ومحمود عزت وعبدالرحمن السميط، ومن المهندسين أمثال يحيى عياش وخيرت الشاطر وعبدالله البرغوثي، ومن القانونيين أمثال حسن الهضيبي وعبدالقادر عودة وعمر التلمساني وعلي الطنطاوي ومأمون الهضيبي وعيسى بن محمد، وغيرهم الكثير في مختلف مجالات العلم.

فلا نكاد نجد رمزاً من رموز الحركة الإسلامية إلا وكان متميزا في طلبه للعلم متفانيا في ذلك. فما نهضت هذه الدعوة المباركة إلا برموز كهؤلاء، فهِموا المبدأ والرسالة والطريق، وسعوا نحوها متكبدين عناء طلب العلم، رغم أن أغلبهم كان يُحارب في دراسته وفي وظيفته وفي حياته الدعوية.

وفي جيل آبائنا الأفاضل، نرى عشرات المعلمين والأكاديميين والأدباء والعلماء والأطباء والمهندسين والقانونيين والإداريين والسياسيين وغيرهم، فتميز كلٌ منهم بمجاله، حتى بات التميز العلمي مربوطاً بهذه الدعوة، فيشار لكل من ينتمي لها بالعلم والرجاحة.

أين نحن من "اقرأ" و"أعِدّوا"؟
ثم نعود إلى يومنا هذا لنرى العديد من الشباب العاملين بهذه الدعوة والقائمين عليها يعزفون عن التميز والتنافس في طلب العلم. فبعد أن كان أغلب الإخوة في السابق يحملون شهادة الدكتوراه على الأقل، صرنا نرى حملة شهادة الماجستير محدودين، وحملة شهادة الدكتوراه يعدون على أصابع الكف!

فإن كنا على وعي تام بأهمية العلم في رفعة الأمة، بين "اقرأ" و"أعدوا"، بين ابن عباس والقرضاوي، بين الجزري وعياش، فلماذا هذا العزوف عن طلب العلم؟ لماذا أصبحنا نكتفي بالشهادة الجامعية فقط؟ لماذا نعتقد أن جهودنا الدعوية أهم من طلب العلم وشعارنا "وأعِدّوا"؟ فلنَعُد لهذا "الإعداد" نحو أستاذية الأمة للعالم، فكيف بنا إن وصلنا لأستاذية العالم ولم نجد من العلماء من يبني لنا الحضارة؟ بل من المستحيل أن نصل لها ما لم يكن العلماء من عمّروا ومهّدوا طريقنا نحوها!

إني لأخشى أن يؤثر هذا الفهم الخاطئ لأهمية طلب العلم على مستوى دعوتنا في البحرين وعلى أثرها الدعوي المستقبلي. نعم، أقول في البحرين بشكل خاص، وفي دول الخليج "المترفة" بشكل أعم، لأَنِّي أرى إخوتنا في باقي الدول العربية والإسلامية ما زالوا يفهمون أهمية هذا المبدأ، خصوصا في الدول المبتلاة، كمصر وسوريا والعراق وغيرهم. ولنا في أحد شعارات "الكتلة الإسلامية" بفلسطين مثال واضح على فهم أهمية طلب العلم:

خرّجنا رجال؛ شهداء وعلماء وأسرى
نربّي الأجيال، ونزحف لنعيد المسرى


رسائل إلى طلبة وخرّيجي المدارس والجامعات:

١-فهم الهدف من الدراسة: نحن نسمو في طلب العلم لكي نرقى بديننا وأمتنا ودعوتنا. فنحاول أن نقدم لأمتنا خير طاقاتنا في مجالنا، فنكون أفضل المعلمين، وأفضل الأدباء، وأفضل العلماء، وأفضل الأطباء، وأفضل المهندسين، وأفضل القانونيين، وأفضل الإداريين، وأفضل السياسيين، فنكون بذلك أفضل الدعاة بإذن الله تعالى. لذلك، الغرض الأساسي والأهم من الدراسة هو تحصيل العلم والتميز في ذلك، وليس تحصيل الدرجات فحسب، فالعلم هو الذي يرفع الأمم، وليست الشهادات.

٢-اختيار التخصص: احذر من أن تجعل "سوق العمل" هو المحرك الأساسي لاختيارك لتخصصك. بل اختر التخصص الذي تحب، واختره بناءً على مطابقته لشخصيتك وقدراتك، بعد التعرف عليها من خلال التجارب العملية ومن خلال اختبارات الشخصية والتخصص. ثم اسعَ للتعرف أكثر على هذا التخصص من خلال سؤال من تميز فيه من إخوانك، واقرأ سير من أبدع في هذا التخصص، حتى تتعرف على التخصص جيداً قبل أن تقرر أن تسعى نحوه. ولا تخف من الابتعاد عن التخصصات المعروفة والتخصص في ما هو نادر، ولنا في تغريدة الإمام القرضاوي أفضل شرح لذلك:

٣-الدراسات العليا: الدراسة في المدرسة تكون عامة بشكل مطلق حتى المرحلة الإعدادية ، ثم في المرحلة الثانوية نتخصص بشكل بسيط، ثم في مرحلة البكالوريوس نختار تخصصنا الذي نريد، ونسعى للتميز فيه. لكن حتى بعد نهاية مرحلة البكالوريوس يكون التخصص عاماً وشديد الاتساع. لذلك أصبح اليوم من الضروري على من يسعى للتميز في مجاله أن يتجه نحو الدراسات العليا ودراسة الماجستير بحد أدنى، حتى يتخذ تخصصاً دقيقاً ويركز عليه، ليتميز فيه عن غيره. أما دراسة الدكتوراه ففي الغالب لا يسعى لها إلا من أراد الحياة الأكاديمية، كالمحاضر الجامعي أو الباحث العلمي.

٤-التميز في المجال: بعد كل ذلك، يبقى عليك إثبات نفسك في مجالك إن كنت تريد حقاً أن تخدم أمتك ودعوتك في مجالك. عليك أن تكون الأفضل فيه، وعليك أن تضل تسعى دائماً إلى تطوير نفسك فيه، وإلى الحصول على أحدث العلوم فيه، فالعلم لا يتوقف أبداً ما حييت! واظب على قراءة آخر الكتب في تخصصك، واظب على متابعة أهم المتحدثين في تخصصك، واظب على متابعة آخر أخبار تخصصك، واجعل أثناء كل ذلك رؤيتك وأمتك نصب عينيك، كي يكون علمك هو أداتك نحو أستاذية الأمة للعالم.

وإني على ثقة أن أمتنا ستكون قريباً منافساً قوياً في المجال العلمي عالمياً، فجهّز نفسك لتكون ممن تعتمد عليهم الأمة في مجالك.

(مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)