Saturday, July 23, 2016

فلنكن مثل ابن أبي غسان

السبت، ٢٣ يوليو، ٢٠١٦
فلنكن مثل ابن أبي غسان

الزمان: ٩٠٠ هـ، بعد سقوط الأندلس.
المكان: الأندلس، غرناطة.

رغم طول الحصار المطبق على غرناطة، وبعد أن سلمها الملك أبو عبدالله الصغير، منهياً بذلك دولة الأندلس المسلمة، رفض ابن أبي غسان التسليم والإذعان لهذا القرار الضعيف والخائن، وأبى أن تنتهي دولة الإسلام على أرض الأندلس ما دام به نَفَس. فكانت كلماته الملتهبة: "لنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه خير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعاً عن غرناطة من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها".

وعندما استسلم الناس، وبكى الرجال، وانتشرت الدعاوى الاستسلامية، وتفشت الحلول الانهزامية، قاتل ابن أبي غسان المحتل، والناس قد سلموا الأمر من حوله، فمنهم من انكسر وظن أن الأندلس قد ضاعت للأبد، ومنهم من ضعُف وردد عبثية المقاومة، ومنهم من هادن المحتل واصطف في صفه. فظل ثابتاً على موقفه وغايته، وقال "نحن لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع، ولكن لتقطر الدماء، وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعا عنها".

لكن لكل الأسباب العظيمة التي أدت إلى سقوط الأندلس المتواتر عبر القرون، ضاعت صيحته بين الناس، حتى وجد نفسه وحيداً في ميدان المعركة، ولم يجد جواباً غير الصمت والحزن.

وكانت نهايته عندما يئس من تجميع الناس، وما تبقت له حيلة، حتى لبس لئمة الحرب، وامتطى جواده، وانقض على مجموعة من فرسان النصارى، فقتل منهم من قتل، حتى أصيب برمح فأُسقط عن جواده. ورغم كل ذلك أبى الإستسلام، وراح يدافع عن شرف الأمة بخنجر وحيد في يده، حتى لقى ربه.

...

موسى ابن أبي غسان، رغم كل بطولاته، استهزء به الناس في الأندلس حينها، وتجاهلته المصادر التاريخية العربية تماماً بعدها.
واليوم نحن نشهد فترة ممثالة تعصف بالأمة، ففي كل بقعة من ديار المسلمين نجد مصيبة تمر بهم، وفي كل أرض نجد من قد استسلم وظن أن الأمة لن تقوم أبداً بعد اليوم، ومنهم من تصهين أو وهن أو ضعف، فردد عبثية المقاومة في وجه الطاغية والمحتل.

وقد يأتي يوماً نُختبر فيه، ونُخَيَّر فيه بين التضحية بكل ما هو غالٍ ونفيس، وبين الركود والإستسلام.
ورغم كل ما قد يقوم به أحدنا من تضحيات جسام، قد يستهزء به الناس، وقد يتخلى عنه أقرب الناس إليه، وقد تُشَوه سيرته بعد ذلك.
وعلى الأغلب، رغم كل التضحيات، لن يعلم أحد عن هذه التضحيات سوى الله عز وجل.

لكن كما كان ابن أبي غسان، نحن لا نقوم بذلك ابتغاء الشهرة، إنما دفاعاً عن شرف هذه الأمة، وإعلاءً لكلمة الله سبحانه، كما فعل الآلاف من إخواننا على مر التاريخ الإسلامي، في بغداد، في القدس، في الأندلس، وفي مختلف البلاد الإسلامية اليوم.
لا نقوم بذلك من أجل المليار ونصف مسلم اليوم، ولكن من أجل المليارات من المسلمين الذين لم يولدوا بعد، وليصل نور الإسلام وعدله إلى المليارات من غيرهم، وإلى كل (بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ) كما وعدنا المصطفى ﷺ.

والله سبحانه جعل هذا الأمر في غاية الوضوح عندما أخبرننا بما سنواجهه في طريقنا هذا عندما قال: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُترَكوا أَن يَقولوا آمَنّا وَهُم لا يُفتَنونَ﴾.
وعندما تأتي هذه “الفتن”، علينا أن نتذكر أمثال ابن أبي غسان. بطل مسلم، مجاهد، ومضحي، مخلص في كل ذلك، لا يرجو شهرة أو ذكر، إنما يقوم بذلك لأجل دينه وأمته، لأجل هدفه وغايته، لوجه الله لا شريك له.

وبعد وفاة ابن أبي غسان، بارك الله له بذلك في جهده، فكان لتضحياته سبباً في قيام ثورة جبال البشرات، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إعادة الإسلام للأندلس، لولا الفتنة والخيانات التي واجهتها.

فلنكن مثل ابن أبي غسان.