Saturday, August 27, 2016

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


السبت، ٢٧ أغسطس، ٢٠١٦
تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


الصورة أبلغ من الكلام. فلا توجد كلمات تصف شعور الأم عند استيعابها أن ابنتها وفلذة كبدها قد فارقتها إلى الأبد.

يا دُموعَ العَينِ سِيلي، “وَا صَغيري.."،
واحمِلي أحزان قَلبي وضَميري..
كانَ شِبلاً، كانَ وَرداً نَرجِسِياً،
يَملأُ الكَونَ حَناناً مِن عَبيري..
يا دموعُ روّي أرضي،
واندُبي فَلذةَ كَبِدي..



بات هذا مشهدٌ معتاد في بلادنا الإسلامية؛ في العراق، في فلسطين، في اليمن، وفي مختلف البلاد الإسلامية. وبات هذا المشهد اليومي في سوريا، إلى درجة أن البعض بات يعتبر شهداء سوريا مجرد "أرقام".
لكنّا نتذكر كل واحد منهم، فكل واحد منهم كان محبوباً، وكل واحد منهم كان غالياً، وكل قطرة دم مسلم تسيل هي أغلى عند الله من الأرض بما فيها.
جعل المصطفى ﷺ هذا الأمر في غاية الوضوح عندما خاطب الكعبة المشرفة قائلاً: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ". قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).

ومثل هذه المشاهد ليست بالجديدة، لا على الأمة الإسلامية، ولا على المسلمين والموحدين عبر التاريخ. فلطالما تكالبت الأمم على أمتنا في أوقات الضعف، بدءاً من الصليبيين، مروراً بالتتار ومحاكم التفتيش الإسبانية، ووصولاً للفرنسيين والإيطاليين والأمريكان. فلكلٍ من هؤلاء جرائم عظيمة راح ضحيتها الملايين في كل مرة. ومن أكثر الأمم بطشاً بالمسلمين خلال القرون الثلاث الأخيرة هم الروس، فارتكبوا عبر القرون مجازر بشعة، كلٌ منها يوازي أو يزيد بشاعةً عن أفاعيلهم في سوريا اليوم.


القرم ١٧٨٣ - ١٩٧٦ م
استطاع الروس أن يبتلعوا أجزاء كبيرة من بلاد المسلمين خلال القرن الثاني عشر للهجرة، مثل القرم ومغول الشمال وتركستان والقوقاز. وبمجرد دخولهم لأي من هذه المناطق، كان الروس دائماً ما يرتكبون أبشع المجازر للتنكيل بالمسلمين، التي فاقت في بشاعتها محاكم التفتيش بالأندلس! فكانوا يراسلون الأسبان ليتعلموا منهم طرق التنكيل بالمسلمين.


كانوا في القرم يبدأون بالقتل العشوائي وهتك الأعراض، ويتفننون في تعذيب المسلمين. وكما كان في الأندلس، كان الروس يعتبرون اعتناق أي ديانة غير الديانة المسيحية الأورثودوكسية جريمة تستحق عقوبة الإعدام. فاضطر المسلمون إلى كتمان إسلامهم، وتوريثه لأبناءهم سراً، كما كان الحال مع المورسكيين بعد سقوط الأندلس. كما كانوا يُنَصِّرون المسلمين عن طريق اختطاف أطفالهم، وتربيتهم في مدارسهم النصرانية، لينشئوا بعزلة عن أهاليهم ودينهم الأصلي.
من أصل خمس ملايين مسلم في القرم، لم يتبقى فيها اليوم إلا ما يقارب نصف المليون مسلم فقط!


تركستان ١٨٧٦ - ١٩٩١ هـ
في عام ١٢٩٣ للهجرة خرجت تركستان من الحكم الإسلامي عندما أطبق الروس السيطرة على أغلب مناطقها، باستثناء تركستان الشرقية، التي سيطرت عليها الصين، وما زالت إلى اليوم تعاملهم بأبشع الطرق وترتكب فيهم المجازر.
فما أن دخل الروس تركستان حتى واصلوا ما بدأوه في القرم من جرائم بشعة. وكلما قامت ثورة إسلامية، انقضّ عليها الروس -والشيوعيون لاحقاً-، وأخمدوها بأبشع الطرق.


ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، استقلت الولايات المختلفة في إقليم تركستان، وتكونت دول مثل أوزباكستان وطاجكستان وغيرها. ولكن ما زالت روسيا قائمة إلى اليوم على إيجاد نفوذ لها في هذه الدول، حتى واجهت هذه الدول مشاكل زيادة الوافدين الروس إليها، فوصلت نسبتهم في كازاخستان مثلاً إلى أكثر من ربع السكان، وبات المسلمون فيها اليوم أقلية!


الاتحاد السوفيتي ١٩٢٢ - ١٩٩١ م
كان من أبرز سياسات السوفييت تشريد وتهجير المسلمين من أراضيهم، حتى هاجر الكثير من مسلمي تلك المناطق إلى البلاد الإسلامية المختلفة. أما من تبقى منهم فكان يوزع على مختلف المدن السوفيتية، فيكونوا أقلية أينما عاشوا.
بالإضافة إلى ذلك فكان السوفييت يوطّنون الروس في البلاد الإسلامية الضعيفة التي تقع تحت سيطرتهم، وينتزعون ملكيات الأراضي الزراعية من مسلمي تلك المناطق ويُهدوها للروس، فيُمسي المسلم فقيراً والروسي سيداً عليه. وكانوا أيضاً يُوَطِّنون غير الروس في البلاد الإسلامية، مثل توطين اليهود في القرم.

ومن أبشع ما فعله السوفييت كان تهجير شعوب مسلمة بأكملها “مثل القرم والشيشان والباشكير وغيرهم” إلى مناطق يستحيل العيش فيها، مثل سيبريا -المعروفة بجوها شديد البرودة-، حتى أُبيد في عهد ستالين أكثر من ١١ مليون مسلم بهذا السبب.

كما اعتاد السوفييت على هدم المساجد وتحويل بعضها إلى كنائس، والبعض الآخر إلى اسطبلات للخيول، وغيرها إلى مسارح ودور للخمر. وكانوا أيضاً يسرقون الأموال من الأوقاف الإسلامية ويصادرونها الأوقاف بأكملها، وكانوا يحوِّلون المدارس الإسلامية والقرآنية إلى دور للتنصير.
وفوق كل ذلك، كانوا يخصّون المسلمين بضرائب عالية جداً، عامِلين على خفض مستواهم المعيشي، بالإضافة إلى التجنيد الإجباري لهم، إلا لمن يرتد عن دين الإسلام!

ومن الظواهر التي عانى منها مسلمو الإتحاد السوفيتي في الأعوام الأخيرة قبل سقوطه كان إفرادهم بالمعاملة السيئة وغير العادلة. فكان السوفييت يَمنعون المسلمين من أداء فريضة الحج، ويمنعونهم من جمع الزكاة، وحتى من ارتداء الحجاب واللبس الإسلامي المحتشم. وأجبروا المسلمين على العمل لساعات إضافية خلال شهر رمضان ليشقّوا عليهم دينهم. بالإضافة إلى ذلك فرض الروس تعليم الفكر الماركسي وحظروا تعليم الإسلام في المدارس. وقاموا بفرض اللغة الروسية ومنع الحروف العربية، لطمس ثقافتهم الإسلامية. وحرصوا على التعليم المختلط، لما فيه من فساد للأخلاق. واستخدموا الآلة الإعلامية للسخرية من الدين الإسلامي، للتصغير من شئنه ومن شأن المسلمين.
وكانوا أيضاً يحرصون على زرع الفتن بين مسلمي الإتحاد السوفيتي لتفريق كلمتهم، وكانوا يقسّمونهم إلى وحدات صغيرة لتسهل السيطرة عليهم.


كل ذلك، رغم المزاعم الشيوعية أن “الدين أفيون الشعوب”، وأنهم “لا يؤمنون بأي دين”، إلا أنهم خصّوا المسلمين بهذا الاضطهاد والبطش دون غيرهم.


أفغانستان ١٩٧٨ - ١٩٨٩ م
في عام ١٩٧٣، تمكن محمود داوود بالتنسيق مع الروس من الانقلاب على الحكم الملكي في أفغانستان. ثم في عام ١٩٧٨، قام الحزب الشيوعي بقيادة محمد غلاب بالانقلاب عليه. وما أن تمكن الشيوعيون من أفغانستان حتى بدأوا في عدوانيتهم للإسلام مجدداً، فقتلوا في أول يوم من الانقلاب أكثر من ١٥ ألف مسلم، وقُتل أمام محمد داوود أبناؤه الـ٢٩، ثم قُتل هو وباقي أفراد أسرته.

ثم بدأ الشيوعيون بالاتفاف حول موسكو والمناداة بالشيوعية العالمية، وفتحوا بعد ذلك الأبواب أمام الجيش الروسي لاحتلال أفغانستان بحجة “حماية النظام”. فسيطر الروس على كابُل وعلى باقي أقاليم أفغانستان. وفي عام ١٩٨٠، أُبيد ما يقارب المليون مسلم على يد الروس في أفغانستان، وقوبل ذلك بالمواقف المخزية للحكومات الإسلامية.

لكن لسوء حظ الروس، كان الأفغان وما زالوا من أكثر الشعوب تمسكاً بالإسلام، ومن أكثرها عداءاً لأعداءه. فبدأت مقاومة المجاهدون الأفغان ضد الروس، وألحقوا بهم خسائر فادحة. ثم مع تطور الجهاد الأفغاني وتوفر الأسلحة المتطورة، ومع توافد المجاهدين العرب للذود عن بلاد الإسلام، أمثال الشهيد عبدالله عزام وغيره، كانت الغلبة للمسلمين في نهاية المطاف، فتمكنوا من طرد المحتل الروسي من أفغانستان عام ١٩٨٩. وكان لهذه الهزيمة سبباً مباشراً في سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١.


(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)



القوقاز والشيشان ١٧٤٠ - ١٩٩٦ هـ

تمكن الروس من احتلال بلاد القوقاز بعد معاهدة بلغراد عام ١١٥٢ للهجرة. وبعد تراجع النفوذ العثماني والفارسي في تلك المناطق، لم يجد مسلمو القوقاز سبيلاً للمقاومة إلا بالاعتماد على أنفسهم، مع التوكل على الله تعالى.

وفي عام ١٢٤١ للهجرة، تولى الإمام شامل قيادة المقاومة الداغستانية ضد الروس. فأخذ المسلمون يُنزِلون الهزائم المتتالية بالروس، وأخذوا يلقِّنون الروس دروساً في الحرب والقتال.
لكن ما أن انتهى الروس من حرب القرم، حتى قاموا بإرسال أكثر من ٣٠٠ ألف جندي إلى القوقاز للقضاء على ثورتها، فأسروا الإمام شامل في عام ١٢٨١ للهجرة، ثم بدأوا بالتنكيل بالمسلمين، وارتكاب أبشع المجازر في حقهم، بسبب حقدهم على الهزائم المتتالية التي ذاقوها.
وبعد اشتداد وطأة المستعمر الروسي في القوقاز، بدأت الكثير من العوائل الشركسية والشياشانية والداغستانية بالهجرة إلى مختلف البلاد الإسلامية.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، أعلن الشيشان انفصالهم عن روسيا، لكن لم تعترف روسيا بهذا الانفصال، فبدأت بشن الحروب عليهم. لكن لِما عُرف عن الشعب القوقازي من شدة بأس، فشل الروس في فرض سيطرتهم على الشيشان مجدداً. وحاول الروس مجدداً دخولي عاصمة الشيشان غروزني في عام ١٩٩٤، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وتناثرت جثث المحتل الروسي في شوارع غروزني.
قام الروس بعد ذلك باتّباع سياسة "المدينة المحترقة"، فقاموا بإحراق مدينة غروزني بأكملها، حتى لا يدعوا فيها مجالاً للمقاومة. وبعد أن قتل الروس معظم سكان العاصمة، سيطروا عليها.

واستمر بعد ذلك الجهاد الشيشاني ضد المحتل الروسي، فقاد شامل باساييف المقاومة، حتى أرهق البأسُ الشيشاني الروسَ، فقال أحد قادتهم "الحرب في أفغانستان تعتبر نزهة مقارنةً بالشيشان!". ثم تمكن الشيشانيون من استعادة العاصمة غروزني في عام ١٩٩٦، واضطر المحتل الروسي إلى مغادرة الشيشان، بعد أن ألحقت به المقاومة أشد الهزائم.

وما زالت روسيا، رغم استقلال الشيشان وانسحاب الروس منها، قائمة على إيجاد سُبُل جديدة لاستعادة الشيشان وإلغاء استقلالها، وما زال بوتين يُصِر على أن الشيشان جزء من روسيا!


البلقان والبوسنة ١٩٤٥ - ١٩٩٥ م
بدأ الإحتلال الروسي للبلقان إبّان الحرب العالمية الثانية، وبعد نهاية الحرب أحكم الشيوعيون قبضتهم على البلاد بعد حلف وارسو. وكعادتهم، حاربوا الإسلام فيها بقسوة لا مثيل لها في التاريخ، كما سبق الذكر عند الحديث عن الاتحاد السوفيتي.
ومع انحلال حلف وارسو عام ١٩٨٩، بدأت بلاد البلقان بالانفتاح على الإسلام مجدداً، لكن سرعان ما تدخل الروس والأوروبيون لزعزعة هذا الانفتاح، فدعموا، على سبيل المثال، الحزب الشيوعي في ألبانيا حتى بات الحزب الحاكم فيها.

لكن لم تبرز كراهية الشيوعيون للإسلام في مكان مثلما برزت في البوسنة. فبداية من خمسينيات القرن الماضي، مع تمكن الشيوعيون من يوغوسلافيا، بدأوا عدوانهم على الإسلام، فذبحوا عشرات الألوف في مدينة توزلا البوسنية، وقتلوا أكثر من ٣ آلاف مسلم في سراييفو، ولا ننسى المذبحة البشعة التي قام فيها الصرب بذبح أكثر من ٦٠ ألف مسلم والإلقاء بهم في نهر الفولجا، حتى أصبح لونه أحمر من الدماء. وغيرها من مذابح بشعة في تلك الفترة.

ومع مطلع الثمانينات، بدأت الحركات الإسلامية بالظهور في البوسنة، مثل جمعية الشبّان المسلمين بقيادة علي عزت بيجوفيتش. لكن سرعان ما زُجّ بهم في السجون في عام ١٩٨٣، بتهمة قلب نظام الحكم.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وانحلال حلف وارسو، صوّت البوسنيون على الانفصال عن يوغوسلافيا. لكن واجه الشيوعيون الصرب هذه القرار بالتسليح العام، فانطلقت حرب البوسنة عام ١٩٩٢، وارتكب الشيوعيون فيها أبشع المجازر في المسلمين، التي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفها، من القتل العشوائي والاغتصاب الجماعي المنظم، أبرزها مذبحة سربرنيتشا، فيما اكتفى العالم أجمع بالتفرج على هذه الجرائم.

ظنّ الناس حينها أن الحرب كانت بين الصِرب والبُشناق، بينما كانت في الواقع بين قوى العالم وبين مسلمي البلقان. فقال أحد القادة الصرب "نحن ندمر المسلمين لنحمي أوروبا من المد الإسلامي"!

وبالرغم من كل ذلك، كانت إرادة الله فوق كل شيء، فتمكن مسلمو البوسنة من إرغام الكروات على التفاوض معهم بعد أن طوّقوا أكثر من ٦٠ ألف جندي كرواتي في إحدى المناطق. ومع انشغال الكروات بقتال الشيوعيين الصرب، تمكن المسلمون من السيطرة على معظم مناطق البوسنة، مما أجبر العدو على قرار وقف النار عام ١٩٩٥، وإعلان قيام جمهورية البوسنة بقيادة علي عزت بيجوفيتش.

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)


بعد هذه الجولة التاريخية، نرجع إلى سوريا اليوم، لنرى تلك المجازر البشعة التي يرتكبها النظام السوري والروس في حلب وغيرها من مناطق سوريا.

لكن الله تعالى وعدنا بنصر الإسلام حين قال (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). فالتاريخ يخبرنا أنه مهما طال تجبر العدو على أرضنا، ستكون الغلبة لدين الله في نهاية المطاف.

فنسأل الله تعالى أن يُعَجِّل زوال العدو المحتل عن أرضنا، وأن يُفرحنا بفتح سوريا، فنراها حرة في الغد، وقد عاد إليها كل من أُرغم على الرحيل منها.

No comments:

Post a Comment