Sunday, July 16, 2017

إغلاق الأقصى.. الماضي والمستقبل

الأحد، ١٦ يوليو، ٢٠١٧
إغلاق الأقصى.. الماضي والمستقبل



منذ أن تسللت أصابع الظلام إلى قدسنا، كانت وما زالت تعيث الفساد في أقصانا، بدءاً بإزالة حي المغاربة واحتلال حائط البراق في اليوم الأول من سقوط القدس في عام ١٩٦٧. وفي ثمانينيات القرن الماضي، وجدت العديد من المخططات لقصف المسجد الأقصى ونسفه من الوجود، إلا أنها كشفت من قبل المقدسيين وبائت بالفشل بعد التضامن العربي مع الأقصى. وفي تسعينيات القرن الماضي، بدأت جماعات الهيكل مخططاتها نحو إعادة بناء معبدهم المزعوم مكان أقصانا المبارك، من أنفاق محفورة واقتحامات تحت الحراسة الشديدة، وما زالت جموع المقدسيين تتصدى لهم يوماً بعد يوم، وما زالوا يردونهم خائبين يوماً بعد يوم. إلا أن المرابطين بالأقصى المبارك باتوا يتلقون كيد الصهاينة بصدورهم يوماً بعد يوم، ومع تراجع الموقف العربي، يبقون لوحدهم في مواجهة أطماع اليهود في أقصانا المبارك، مما يزيد أطماع اليهود أمام ضعف الاستنكار العربي.

فمع انطلاق الألفية الجديدة، تمادى الصهاينة في الاستهزاء بمقدساتنا، فكان تدنيس الهالك آرييل شارون لأقصانا المبارك، مما أدى إلى انطلاق انتفاضة جابت ربوع فلسطين نصرة للأقصى، راح ضحيتها أربعة آلاف شهيد وقتل خلالها أكثر من ألف صهيوني. ومنذ ٣ أعوام فقط، زادت أطماع اليهود في أقصانا، وباتت خططهم معلنة ومكشوفة لتحويل الأقصى إلى معبد يهودي خاص بهم. فباتوا اليوم يرون المخطط السابق، المبني على تقسيم الأقصى بين المسلمين واليهود، كهدف تافه! ففي وسط غفلة المسلمين، هم يرون أنهم أمام فرصة تاريخية سانحة، يستطيعون خلالها أن يتفردوا بالأقصى من دون المسلمين، وهم يعملون على استغلالها في كل لحظة وحين. وباتت خططهم على هذه الشاكلة، وباتت خطواتهم بهذه الخطورة، فتلى ذلك اقتحامات أسبوعية ممنهجة، تحت حراسة وأمن شديدين. وبعد أن كانت هذه الاقتحامات مستنكرة ومستهجنة من الحكومات العربية قبل بضع سنوات فقط، باتت اليوم تتكرر أسبوعياً من دون أن يُلقى لها أي بال، وكأننا رضينا بالواقع ورضينا بحق اليهود في ثالث مساجدنا وأولى قبلتينا! فبعد أن انتهى الصهاينة من تحويل رابع أقدس الأماكن للمسلمين إلى كنيس يهودي، وهو المسجد الإبراهيمي بالخليل، لا تتجه أنظارهم الطامعة إلا نحو الأقصى المبارك، وإن أضعنا الأقصى، لن تتجه أنظارهم إلا إلى ما تبقى من مقدساتنا في مكة والمدينة.

وبالأمس، وصلت هذه الأطماع إلى درجة خطيرة من الاستباحة والاستهزاء بمقدساتنا، فأغلق المسجد الأقصى المبارك، وتم إخلاءه من المصلين، حتى بات الأقصى وحيداً خالياً من جموع المسلمين، وبه مجموعة من إخوة القردة والخنازير، يعيثون به ويمرحون بأرجاءه، يدنسون طهره ويستبيحون مقدساته، يعتدون على كل ما هو ثمين به، ويسرقون محتويات متحفه ويقتلعون أبوابه، ويفتشون قبة الصخرة والجامع القبلي ويقلبون محتوياتهما رأساً على عقب.

واليوم، وللمرة الأولى منذ ٥٠ عام، لا تقام صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك. فمنذ أن فتحه عمر رضي الله عنه، كانت صلاة الجمعة تقام في الأقصى أسبوعياً. ومنذ أن فتحها صلاح مجدداً، لم تنقطع صلاة الجمعة عن الأقصى إلا في بعض الأسابيع النادرة. واليوم، لا تقام صلاة الجمعة فيه، بعد أن لم تنقطع عنه لأكثر من ٢٥٠٠ أسبوع متتالي.
واليوم، وللمرة الأولى منذ ٥٠ عام، لم يرفع الأذان في الأقصى ليوم كامل، والأقصى خالياً ينتظر من يصلي فيه، فكل صلاة به بـ٥٠٠، وهو خال ينتظر جموع المسلمين ليصلوا فيه.
واليوم، أعلنت الأوقاف الإسلامية بالقدس عن فقدانها التام للسيطرة على المسجد الأقصى المبارك، وأعلنت حكومة الاحتلال أنها لن تعيد فتح الأقصى حتىضمان الأمن فيه، وبدأوا باعتقال كل من يحاول دخوله.

وهذا نداء إلى جميع الحكومات العربية لاستنكار هذا الإغلاق للمسجد الأقصى المبارك، ودعوة لهم إلى الضغط الدولي لكي يتم إعادة فتحه للمسلمين، فهو حق للمسلمين في الشرائع الإسلامية وفي القوانين الدولية، كما نصت منظمة الأمم المتحدة.

ومن الواجب أن يكون هذا الضغط غير مسبوق، لنكون دعماً لإخواننا المرابطين على أعتاب الأقصى، فإن لم يأت هذا الضغط، سيتمادى الصهاينة في خطواتهم كما فعلوا في السنوات الأخيرة، ولن يتبع هذا الإغلاق المؤقت إلا إغلاق نهائي. ندعو إلى إعادة الأقصى للمسلمين قبل فوات الأوان، فالمقدسات إن فقدت لن تسترجع ولو بمليء الأرض من المال. فبالأمس احترق منبر نور الدين، ولن نتمكن من استرجاعه ما حيينا. وإن ضاع الأقصى أو هدم أو حوّل، فسيذكر المسلمون عبر التاريخ أننا نحن من أضعنا أقصاهم.

﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَن يُذكَرَ فيهَا اسمُهُ وَسَعى في خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُم أَن يَدخُلوها إِلّا خائِفينَ لَهُم فِي الدُّنيا خِزيٌ وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]

Wednesday, January 18, 2017

هكذا حفظت القرآن في عام (٢)

الأربعاء، ١٨ يناير، ٢٠١٧
هكذا حفظت القرآن في عام (٢)


متابعة لمقالي الأول عن تجربتي المتواضعة في الحفظ، يسرني أن أسطر في هذا المقال بعضٌ مما استفدته خلال هذه التجربة، لتكون على شكل نصائح أخوية لكل من أحب أن يسلك طريق حفظ كتاب الله.

نصائح الحفظ
قد يكون أهم عامل نحو الحفظ هو وضوح الرؤية والإيمان بالوصول إليها. فكن متيقناً مؤمناً أنك بعد عام من الآن ستكون حافظاً لكتاب الله، لكي تسير يوماً بعد يوم نحو هذا الهدف. عليك أن تجعل حفظ القرآن أولويتك الأولى خلال هذا العام، فكلما خُيِّرت بين أمرٍ ما والحفظ، اختر الحفظ على ما سواه، إلا الصلاة على وقتها. وبهذا السياسة ستتسهل عليك العديد من القرارات والخيارات. فاجعل في كل يوم هدفك الأساسي هو حفظ وجهي اليوم، وإن وفقك الله إلى أي أمر فوق ذلك فهو من توفيقه تعالى.

فهذا الأمر هو الذي دفعني في كل يوم نحو غايتي؛ أن أستيقظ في كل يوم متيقناً أني بحلول نهاية ذاك اليوم سأكون حافظاً لوجهي اليوم حفظاً متقناً. فكنت أدعو الله في بداية كل يوم بصلاة الشروق أن يوفقني إلى حفظ اليوم، وكنت أحمده تعالى في نهاية اليوم بصلاة الوتر على توفيقه لي في حفظ وجهي اليوم. وبتوفيقه تعالى كنت على هذا النحو حتى أتممت حفظ القرآن الكريم، وبتوفيقه تعالى لم أتخلف يوماً واحداً عن تسميع وجهي اليوم باتقان .

ثم بعد ذلك، اعلم أن حفظ القرآن الكريم غاية عظيمة، والوصول إليها يتطلب جهداً عظيماً وتضحيات عظيمة توازي هذه الغاية في عظمتها. فمهما استصعبت الجهد، ومهما تطلب منك الأمر من تضحيات، اعلم أن الغاية التي تسعى نحوها أعظم.
فهذه الغاية ستحول حياتك إلى حياة مليئة بالإيمان وبالقرآن. فالعيش مع القرآن له آثارٌ عظيمة، لا يدركها إلا من عاش مع القرآن. فالعبادات هي أكثر ما يساعد المؤمن على حفظ القرآن، والعيش مع القرآن هو أكثر ما يساعد المؤمن على العبادات.
﴿إِنَّ هذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعمَلونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا كَبيرًا﴾ [الإسراء: ٩]

وأنصح أيضاً أن تستخدم “المصحف الموضوعي” لحفظ القرآن، فأنت أثناء حفظك لوجهي اليوم لا تتوقف على آخر آية في الوجهين، إنما تتوقف على نهاية الموضوع، وإن زاد ذلك على الوجهين آية أو نقص. وستتعجب من شدة موافقة تقسيم أوجه المصحف مع التقسيم الموضوعي!

وأنصح بالخصوص بمصحف “التفسير الموضوعي للحافظ المتقن”. فهو مصحف يقسم القرآن تقسيماً ملوناً على حسب الموضوع، فتربط بعدها تلقائياً اللون بموضوع الآيات، فعندما ترى اللون الأصفر مثلاً، تعرف مباشرةً أن الآيات تتحدث عن قصص الأنبياء والمرسلين. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا المصحف لا يكتفي بوضع معاني الكلمات فقط، إنما يضع التفسير المختصر لها، مما يساعد على فهم الآيات. ويُرفق أيضاً أسباب النزول وفوائد تفسيرية من عدة تفاسير منها “في ظلال القرآن”. يمكنك الحصول على نسخة PDF من هذا المصحف على الرابط التالي:
https://goo.gl/8gwdfy

أما بالنسبة لمصحف الهاتف المحمول، فكنت شخصياً أستخدم عند الحفظ مصحف “محفظ الوحيين”، لما فيه من مزايا عدة، مثل إمكانية مشاهدة التقسيم الموضوعي، القراءة من مصحف التجويد، الاستماع إلى أي قارئ أثناء القراءة مع إمكانية التكرار للحفظ والمراجعة، وغيرها من ميزات متعلقة بالحفظ. يمكنك الحصول عليه من الرابط التالي:
https://appsto.re/bh/lB9AH.i

ومما يساعد على وضوح الرؤية ومواصلة الحفظ يومياً هو تتبع الحفظ عن طريق استخدام خطة للحفظ. فتساعدك خطة الحفظ على تسجيل حفظك اليومي، بالإضافة إلى التعرف على نسبة ما أتممت تسميعه، ونسبة ما تبقى لك من السورة ومن القرآن، والتعرف على عدد الأيام المتبقية لكل سورة، بالإضافة إلى تاريخ الختمة المتوقع.
يمكنك الحصول على الخطة التي كنت أستخدمها شخصياً عن طريق الرابط التالي:
https://goo.gl/dFiMGj


وفي الختام لا أجد إلا أن أحمد الله تعالى أن وفقني لهذه الغاية ويسر عليّ الطريق نحوها. وأسأله ﷻ أن ييسر علي مراجعة الحفظ، وأن يوفق كل من قرأ هذا المقال إلى حفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً.

كل ما يفصل بينك وبين أن تكون من حملة كتاب الله هو عامٌ واحد تخصصه لكتاب الله، فضع هذه الغاية نصب عينيك، واسع نحوها من اليوم!

Monday, December 5, 2016

هكذا حفظت القرآن في عام (١)

الأثنين، ٥ ديسمبر، ٢٠١٦
هكذا حفظت القرآن في عام (١)


﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]
(اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بالقُرْءَانِ وَاجْعَلهُ لِي إِمَاماً وَنُوراً وَهُدًى وَرَحْمَةً)

الحمدلله الذي وفقنا للسعي نحو هذه الغاية النبيلة، والحمدلله أن تفضل علينا فيسر لنا الطريق نحو هذه الغاية السامية، والحمدلله أن تكرم علينا فاختارنا لأن نكون ممن يحملون هذا القرآن العظيم.

الحمدلله أن أكرم هذه الدعوة المباركة فخرّج منها أكثر من ١٥٠ حافظاً وحافظةً لكتاب الله، كانوا نجوماً لنا ولمن تلاهم في حفظ كتاب الله، وما زالوا بذلك يزدادون يوماً بعد يوماً.

والشكر، بعد الله، لوالدتي الفائزة بتاج الوقار بإذن الله. فهي أول وأكثر من دفعني وشجعني وساعدني على حفظ القرآن؛ فهي من قرأت عليها القرآن الكريم كاملاً في هذا العام، وهي من لها الفضل في تطور قراءتي الصحيحة للقرآن بأحكام التجويد، فأرجو ألا يكون هذا الجهد إلا بِرّاً بها.

﴿قَد مَنَّ اللَّهُ عَلَينا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ﴾ [يوسف: ٩٠]


بين ختم القرآن وحفظ القرآن
أما بعد، فمنذ أن بدأت طريقي نحو حفظ القرآن الكريم، كان للمقالات التي يكتبها إخوتنا الحفظة دافعاً كبيراً لي، لذلك قررت أن أسطر في هذا المقال تجربتي المتواضعة نحو حفظ القرآن الكريم، لعله يكون دافعاً لغيري نحو حفظ كتاب الله.

فمع اقتراب نهاية عام ٢٠١٥، كنت أبحث عن هدف جديد لعام ٢٠١٦. فبعد أن حققت هدفي لعام ٢٠١٥ بحصولي على شهادة الماجستير، كيف يمكنني التفوق على عامي الماضي في ٢٠١٦؟ وكيف يمكنني السعي نحو هدف أعظم يمكنني تحقيقه خلال عام واحد؟

وبعدها كان الهدف واضحاً جلياً، الهدف الذي لطالما أجّلته وتعذّرت بالدراسة لتأجيله، الهدف الذي لا بد لي من تحقيقه لكي أتمكن من السعي نحو غايتي في الحياة، الهدف الذي سيكون أعظم إنجاز حققته في حياتي، الهدف سيلبس والديّ تاج الوقار بإذن الله تعالى.

فكان الهدف: أن أصل إلى الحفظ المتقن لكتاب الله، فأكون حافظاً له، ملماً به، وعاملاً به.

لذلك لم أكن أستعجل الختمة، لكي أتمكن من الحفظ المتقن، لا المستعجل، خلالها. فما كان الهدف من الحفظ “تسميع كل سور القرآن الكريم”، إنما كان “الحفظ المتقن لكل سور القرآن الكريم”.


خطة الحفظ
ومع اقتراب نهاية عام ٢٠١٥، بدأت بالتخطيط نحو هذا الهدف، فبدأت بسؤال الإخوة الحفظة لكتاب الله عن طُرُقهم في حفظ القرآن وفي مراجعته، لكي أتمكن من صياغة خطة محكمة أصل بها لحفظ القرآن الكريم بإذن الله.

ثم مع انطلاق عام ٢٠١٦، بدأت بتسميع السور الطويلة التي أحفظها حفظاً متقناً، التي أستطيع أسمعها كاملةً بدون أية أخطاء ومن دون الحاجة للمراجعة أو النظر إلى المصحف، كسورة الكهف وغيرها، ليكون هذا المستوى من الحفظ مرجعاً لي في باقي الحفظ. ثم بدأت طريقي نحو حفظ القرآن من جزء عم، فكانت خطتي أن أسمع الجزء ٣٠ إلى ١٦ أولاً ، ثم الجزء ١ إلى ١٥، بحيث أختم في سورة الإسراء.

ووضعت لي خطة أسبوعية مكونة من نصف جزء، بحيث أتمكن من تسميع نصف جزء دفعة واحدة وبدون أية أخطاء بنهاية الأسبوع. فكنت أحفظ في كل يوم وجهين، وأسمعهما عدة مرات بقدر ما يتيح لي الوقت، لكي أحفظهما حفظاً متقناً بحلول نهاية اليوم.

وكانت خطتي اليومية على الشكل الآتي:
١-أقوم الفجر وأسمع وجهي اليوم السابق قبل الإقامة
٢-ثم أستمع إلى وجهي اليوم عدة مرات مع التركيز على التلاوة والتجويد
٣-ثم أقرأ هذين الوجهين عدة مرات مع قراءة معاني الكلمات وتفسير الآيات
٤-ثم أبدأ الحفظ بالطريقة التقليدية “على حسب التقسيم الموضوعي"
٥-ثم أسمّع حفظي لنفسي حتى أتمكن من تسميع هذين الوجهين بدون توقف وبدون أي خطأ (٣-٥ مرات)
٦-ثم أسمّع الوجهين إلى أمي و\أو لطرف ثالث
٧-وفي الليل أسمّع الوجهين مجدداً عدة مرات لأتأكد من الحفظ المتقن للوجهين

وكنت في كل يوم جمعة أراجع حفظ الأسبوع “١٠ أوجه”، ثم أقوم في يوم السبت بتسميع حفظ الأسبوع كاملاً. وكان أمر المراجعة سهلاً إذ كان الحفظ المبدئي متقناً، وإلا فهو أصعب من الحفظ!

وواصلت على هذا النسق حتى تمكنت من تسميع القرآن الكريم كاملاً على يد: أمي وأبي، أحمد العوضي، أحمد علي سالم، إبراهيم طارق، عيسى الخاجة، محمد جناحي، ومنصور طارق. فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

أما الآن فقد بدأت بختمة المراجعة، سعياً نحو إتقان حفظ كتاب الله بعد ختمتي الأولى. وخطتي للمراجعة هي تسميع جزء كامل في كل يوم سبت، مع التركيز على قوة الحفظ أكثر من سرعة الحفظ، على مدى ٣٠ أسبوعاً بعون الله تعالى.

سأناقش بإذن الله في الجزء الآخر من المقال بعض ما استفدته من تجربتي المتواضعة في حفظ كتاب الله.

Saturday, October 8, 2016

قواعد القراءة

السبت، ٨ أكتوبر، ٢٠١٦
قواعد القراءة

قديما أنشد المتنبي:
أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ    وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ

لكنّا بتنا اليوم لا نجد صهوة جواد نبتغي بها عز أمتنا، فلم يتبق لنا إلا الكتاب جليسنا نحو ذاك السبيل.
فهل أعطينا القراءة حقها؟

أهمية القراءة


القراءة ومراحل نزول القرآن
يُجمع أغلب العلماء أن أول ٤ سور نزلت من القرآن الكريم كانت “العلق، القلم، المزمل، المدثر” بالترتيب. وكما أن في القرأن الكريم لكل حرف دلالة، نجد أن لترتيب نزول سور القرآن دلالات عظيمة أيضاً.
فأول ما أُمر به المصطفى ﷺ كان (اقرأ)، فالقراءة سبيل التعلم وطريق العلم، ولا تتم باقي الخطوات ما لم تسبقها القراءة.
ثم كانت سورة القلم، فربطت الكتابة بالقراءة، فكيف تكون القراءة ما لم توجد الكتابة؟!
ثم تلى ذلك الأمر الإلهي للرسول ﷺ بالتطبيق في سورة المزمل (قم الليل إلا قليلاً)، فلا خير في قراءة لا تؤدي إلى عمل، ولا تؤدي إلى إصلاح، ولا تؤدي إلى توحيد الله عز وجل.
ثم كان في سورة المدثر الأمر بنشر هذا المنهج (قم فأنذر)، فما بعد العلم إلا التعليم.

فكر.. ما العامل المشترك بين معظم القادة والعظماء وأصحاب التأثير؟ ستجد أن أغلب هؤلاء استوعبوا أهمية القراءة وانطلقوا نحوها.

من البديهي أن القراءة ليست السبيل الوحيد لتلقي العلم. وخصوصاً في عصرنا هذا تزداد وسائل التعلم، فمنها المرئي والمسموع وغير ذلك. والمثقف يسعى أن يستغل جميع الوسائل المتاحة لتلقي العلم، فهو يشاهد الأفلام الوثائقية ويطلع على نشرات الأخبار، وهو يستمع إلى السلاسل الصوتي والكتب المسموعة، ويستغل ما تقع عليه يداه من وسائل التعلم لتزداد ثقافته.
لكن تبقى القراءة فوق كل ذلك، فهي تظل السبيل الأول والأهم للثقاقة، فمعظم باقي الوسائل هي مجرد اختصار لما يجده المرء في الكتاب. فإن أردنا العلم، فعلينا أن نعود للأصل؛ للقراءة.

تذكر.. من يريد أن ينهض بأمته، فعليه أن يقرأ، لكي يتعلم كيف ينهض بها!

كيف أحب القراءة؟


من الطبيعي أن يتخوف المرء من القراءة، ما لم يتعلم حب القراءة. ومن الطبيعي أن يستصعب المرء القراءة، إن كان يحتاج أيام عديدة، بل قد تصل لأشهر في بعض الأحيان، لكي ينهي قراءة كتاب واحد.
فطريقة القراءة بالتهجئة، وهي التي تعلمناها في المدارس، لا تصلح إلا للأطفال. إلا أننا بعد أن تعلمنا القراءة في الصغر، لم نجد من يعلمنا القراءة السريعة، فلم تتطور سرعة قراءتنا من المرحلة الإبتدائية إلى الآن!
في الواقع، من أهم الأساليب التي تساعد على حب القراءة هي القراءة السريعة، فهل ستجد نفس صعوبة في القراءة إن تطلب منك الكتاب بضعة أيام بحد أقصى؟!

القراءة السريعة هي ليست مهارة تخطي الكلمات وانتقاءها، وليست مهارة التلخيص وقراءة الملخصات، إنما هي بكل بساطة مهارة القراءة بسرعة!
فبعد تعلمها -الأمر الذي قد يتطلب أسبوع إلى أسبوعين بحد أقصى- ستجد نفسك تقرأ نفسك الكتاب خلال فترة زمنية أقصر، وذلك لأنك تعلمت كيف تقرأ عدد كلمات أكبر خلال الفترة الزمنية نفسها. فمعدل القراءة الطبيعي هو ٢٠٠ كلمة في الدقيقة، وبعد تعلم القراءة السريعة ستصل إلى ٤٠٠ كلمة في الدقيقة بحد أدنى، الأمر الذي سيمكنك من قراءة كتيب صغير خلال نصف ساعة فقط، وكتاب حجمه ٢٠٠ صفحة خلال ٤ ساعات فقط! ألن تتطلع لقراءة المزيد من الكتب إن كانت عملية القراءة بهذا الشكل؟

تذكر أن القراءة السريعة ليست هي القراءة التصويرية. فالقراءة التصويرية مهارة تصلح فقط للتعرف على الكتاب قبل البدء بقراءته، ولا تصلح لقراءته كاملاً.

احصر على تعلم القراءة السريعة، فهي مهارة أساسية لكل من يريد أن يصبح مثقفاً، وإلا لن يتسنى له الوقت لقراءة العدد اللازم من الكتب لكي يصبح مثقفاً!

كم من الكتب أقرأ؟
-للشخص العادي: ٦ كتب سنوياً بحد أدنى.
-للشخص المثقف: كتابين شهرياً.
-للمفكر والعالم: ٧-١٠ كتب شهرياً.

لكن هل كل الكتب سواء، رغم اختلاف أحجماها؟

حجم الكتاب
-الكتيب: أقل من ٥٠ صفحة.
-الكتاب المتوسط: ٥٠-٢٠٠ صفحة.
-الكتاب الكبير: أكثر من ٢٠٠ صفحة.

وعند الحديث عن عدد الكتب المقروءة شهرياً، يكون الحديث عن الكتاب المتوسط والكتاب الكبير.

ماذا أقرأ؟


في النهاية، لكي تبدأ بالقراءة، عليك أن تختار المجال الذي ستقرأ فيه.
القاعدة الأساسية عند اختيار الكتب هي: أن تكون نصف الكتب التي تقرأها في مجالك “الجامعي أو العملي أو التخصصي”، والنصف الآخر تكون في شتى المجالات الأخرى.
هناك العديد من الكتب التي تطرح قوائم الكتب المميزة في مختلف المجالات، مثل كتاب (ماذا أقرأ، طارق السويدان) وكتاب (كيف تبني ثقافتك، علي العمري).

من الضروري أيضاً أن يختار المرء كتاباً في مجال يُحبه، لكي تتسهل عليه عملية القراءة والتعلم.

لكن تذكر أن “النجاح سلالم لا تستطيع أن ترتقيها ويداك في جيبك”، لذلك يجب أن تتعلم تدريجاً قراءة الكتب الصعبة والعميقة، لما فيها من فوائد عظيمة لا تجدها في الكتب البسيطة والمختصرة.


إبدأ بوضع خطة مكتوبة للقراءة، تحتوي على الكتب التي تنوي قراءتها في كل مجال خلال الـ٤-٥ سنوات القادمة، مبنية على القواعد التي سبق ذكرها.

Saturday, August 27, 2016

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


السبت، ٢٧ أغسطس، ٢٠١٦
تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام


الصورة أبلغ من الكلام. فلا توجد كلمات تصف شعور الأم عند استيعابها أن ابنتها وفلذة كبدها قد فارقتها إلى الأبد.

يا دُموعَ العَينِ سِيلي، “وَا صَغيري.."،
واحمِلي أحزان قَلبي وضَميري..
كانَ شِبلاً، كانَ وَرداً نَرجِسِياً،
يَملأُ الكَونَ حَناناً مِن عَبيري..
يا دموعُ روّي أرضي،
واندُبي فَلذةَ كَبِدي..



بات هذا مشهدٌ معتاد في بلادنا الإسلامية؛ في العراق، في فلسطين، في اليمن، وفي مختلف البلاد الإسلامية. وبات هذا المشهد اليومي في سوريا، إلى درجة أن البعض بات يعتبر شهداء سوريا مجرد "أرقام".
لكنّا نتذكر كل واحد منهم، فكل واحد منهم كان محبوباً، وكل واحد منهم كان غالياً، وكل قطرة دم مسلم تسيل هي أغلى عند الله من الأرض بما فيها.
جعل المصطفى ﷺ هذا الأمر في غاية الوضوح عندما خاطب الكعبة المشرفة قائلاً: "مَرْحَبًا بِكِ مِنْ بَيْتٍ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ". قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).

ومثل هذه المشاهد ليست بالجديدة، لا على الأمة الإسلامية، ولا على المسلمين والموحدين عبر التاريخ. فلطالما تكالبت الأمم على أمتنا في أوقات الضعف، بدءاً من الصليبيين، مروراً بالتتار ومحاكم التفتيش الإسبانية، ووصولاً للفرنسيين والإيطاليين والأمريكان. فلكلٍ من هؤلاء جرائم عظيمة راح ضحيتها الملايين في كل مرة. ومن أكثر الأمم بطشاً بالمسلمين خلال القرون الثلاث الأخيرة هم الروس، فارتكبوا عبر القرون مجازر بشعة، كلٌ منها يوازي أو يزيد بشاعةً عن أفاعيلهم في سوريا اليوم.


القرم ١٧٨٣ - ١٩٧٦ م
استطاع الروس أن يبتلعوا أجزاء كبيرة من بلاد المسلمين خلال القرن الثاني عشر للهجرة، مثل القرم ومغول الشمال وتركستان والقوقاز. وبمجرد دخولهم لأي من هذه المناطق، كان الروس دائماً ما يرتكبون أبشع المجازر للتنكيل بالمسلمين، التي فاقت في بشاعتها محاكم التفتيش بالأندلس! فكانوا يراسلون الأسبان ليتعلموا منهم طرق التنكيل بالمسلمين.


كانوا في القرم يبدأون بالقتل العشوائي وهتك الأعراض، ويتفننون في تعذيب المسلمين. وكما كان في الأندلس، كان الروس يعتبرون اعتناق أي ديانة غير الديانة المسيحية الأورثودوكسية جريمة تستحق عقوبة الإعدام. فاضطر المسلمون إلى كتمان إسلامهم، وتوريثه لأبناءهم سراً، كما كان الحال مع المورسكيين بعد سقوط الأندلس. كما كانوا يُنَصِّرون المسلمين عن طريق اختطاف أطفالهم، وتربيتهم في مدارسهم النصرانية، لينشئوا بعزلة عن أهاليهم ودينهم الأصلي.
من أصل خمس ملايين مسلم في القرم، لم يتبقى فيها اليوم إلا ما يقارب نصف المليون مسلم فقط!


تركستان ١٨٧٦ - ١٩٩١ هـ
في عام ١٢٩٣ للهجرة خرجت تركستان من الحكم الإسلامي عندما أطبق الروس السيطرة على أغلب مناطقها، باستثناء تركستان الشرقية، التي سيطرت عليها الصين، وما زالت إلى اليوم تعاملهم بأبشع الطرق وترتكب فيهم المجازر.
فما أن دخل الروس تركستان حتى واصلوا ما بدأوه في القرم من جرائم بشعة. وكلما قامت ثورة إسلامية، انقضّ عليها الروس -والشيوعيون لاحقاً-، وأخمدوها بأبشع الطرق.


ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، استقلت الولايات المختلفة في إقليم تركستان، وتكونت دول مثل أوزباكستان وطاجكستان وغيرها. ولكن ما زالت روسيا قائمة إلى اليوم على إيجاد نفوذ لها في هذه الدول، حتى واجهت هذه الدول مشاكل زيادة الوافدين الروس إليها، فوصلت نسبتهم في كازاخستان مثلاً إلى أكثر من ربع السكان، وبات المسلمون فيها اليوم أقلية!


الاتحاد السوفيتي ١٩٢٢ - ١٩٩١ م
كان من أبرز سياسات السوفييت تشريد وتهجير المسلمين من أراضيهم، حتى هاجر الكثير من مسلمي تلك المناطق إلى البلاد الإسلامية المختلفة. أما من تبقى منهم فكان يوزع على مختلف المدن السوفيتية، فيكونوا أقلية أينما عاشوا.
بالإضافة إلى ذلك فكان السوفييت يوطّنون الروس في البلاد الإسلامية الضعيفة التي تقع تحت سيطرتهم، وينتزعون ملكيات الأراضي الزراعية من مسلمي تلك المناطق ويُهدوها للروس، فيُمسي المسلم فقيراً والروسي سيداً عليه. وكانوا أيضاً يُوَطِّنون غير الروس في البلاد الإسلامية، مثل توطين اليهود في القرم.

ومن أبشع ما فعله السوفييت كان تهجير شعوب مسلمة بأكملها “مثل القرم والشيشان والباشكير وغيرهم” إلى مناطق يستحيل العيش فيها، مثل سيبريا -المعروفة بجوها شديد البرودة-، حتى أُبيد في عهد ستالين أكثر من ١١ مليون مسلم بهذا السبب.

كما اعتاد السوفييت على هدم المساجد وتحويل بعضها إلى كنائس، والبعض الآخر إلى اسطبلات للخيول، وغيرها إلى مسارح ودور للخمر. وكانوا أيضاً يسرقون الأموال من الأوقاف الإسلامية ويصادرونها الأوقاف بأكملها، وكانوا يحوِّلون المدارس الإسلامية والقرآنية إلى دور للتنصير.
وفوق كل ذلك، كانوا يخصّون المسلمين بضرائب عالية جداً، عامِلين على خفض مستواهم المعيشي، بالإضافة إلى التجنيد الإجباري لهم، إلا لمن يرتد عن دين الإسلام!

ومن الظواهر التي عانى منها مسلمو الإتحاد السوفيتي في الأعوام الأخيرة قبل سقوطه كان إفرادهم بالمعاملة السيئة وغير العادلة. فكان السوفييت يَمنعون المسلمين من أداء فريضة الحج، ويمنعونهم من جمع الزكاة، وحتى من ارتداء الحجاب واللبس الإسلامي المحتشم. وأجبروا المسلمين على العمل لساعات إضافية خلال شهر رمضان ليشقّوا عليهم دينهم. بالإضافة إلى ذلك فرض الروس تعليم الفكر الماركسي وحظروا تعليم الإسلام في المدارس. وقاموا بفرض اللغة الروسية ومنع الحروف العربية، لطمس ثقافتهم الإسلامية. وحرصوا على التعليم المختلط، لما فيه من فساد للأخلاق. واستخدموا الآلة الإعلامية للسخرية من الدين الإسلامي، للتصغير من شئنه ومن شأن المسلمين.
وكانوا أيضاً يحرصون على زرع الفتن بين مسلمي الإتحاد السوفيتي لتفريق كلمتهم، وكانوا يقسّمونهم إلى وحدات صغيرة لتسهل السيطرة عليهم.


كل ذلك، رغم المزاعم الشيوعية أن “الدين أفيون الشعوب”، وأنهم “لا يؤمنون بأي دين”، إلا أنهم خصّوا المسلمين بهذا الاضطهاد والبطش دون غيرهم.


أفغانستان ١٩٧٨ - ١٩٨٩ م
في عام ١٩٧٣، تمكن محمود داوود بالتنسيق مع الروس من الانقلاب على الحكم الملكي في أفغانستان. ثم في عام ١٩٧٨، قام الحزب الشيوعي بقيادة محمد غلاب بالانقلاب عليه. وما أن تمكن الشيوعيون من أفغانستان حتى بدأوا في عدوانيتهم للإسلام مجدداً، فقتلوا في أول يوم من الانقلاب أكثر من ١٥ ألف مسلم، وقُتل أمام محمد داوود أبناؤه الـ٢٩، ثم قُتل هو وباقي أفراد أسرته.

ثم بدأ الشيوعيون بالاتفاف حول موسكو والمناداة بالشيوعية العالمية، وفتحوا بعد ذلك الأبواب أمام الجيش الروسي لاحتلال أفغانستان بحجة “حماية النظام”. فسيطر الروس على كابُل وعلى باقي أقاليم أفغانستان. وفي عام ١٩٨٠، أُبيد ما يقارب المليون مسلم على يد الروس في أفغانستان، وقوبل ذلك بالمواقف المخزية للحكومات الإسلامية.

لكن لسوء حظ الروس، كان الأفغان وما زالوا من أكثر الشعوب تمسكاً بالإسلام، ومن أكثرها عداءاً لأعداءه. فبدأت مقاومة المجاهدون الأفغان ضد الروس، وألحقوا بهم خسائر فادحة. ثم مع تطور الجهاد الأفغاني وتوفر الأسلحة المتطورة، ومع توافد المجاهدين العرب للذود عن بلاد الإسلام، أمثال الشهيد عبدالله عزام وغيره، كانت الغلبة للمسلمين في نهاية المطاف، فتمكنوا من طرد المحتل الروسي من أفغانستان عام ١٩٨٩. وكان لهذه الهزيمة سبباً مباشراً في سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١.


(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)



القوقاز والشيشان ١٧٤٠ - ١٩٩٦ هـ

تمكن الروس من احتلال بلاد القوقاز بعد معاهدة بلغراد عام ١١٥٢ للهجرة. وبعد تراجع النفوذ العثماني والفارسي في تلك المناطق، لم يجد مسلمو القوقاز سبيلاً للمقاومة إلا بالاعتماد على أنفسهم، مع التوكل على الله تعالى.

وفي عام ١٢٤١ للهجرة، تولى الإمام شامل قيادة المقاومة الداغستانية ضد الروس. فأخذ المسلمون يُنزِلون الهزائم المتتالية بالروس، وأخذوا يلقِّنون الروس دروساً في الحرب والقتال.
لكن ما أن انتهى الروس من حرب القرم، حتى قاموا بإرسال أكثر من ٣٠٠ ألف جندي إلى القوقاز للقضاء على ثورتها، فأسروا الإمام شامل في عام ١٢٨١ للهجرة، ثم بدأوا بالتنكيل بالمسلمين، وارتكاب أبشع المجازر في حقهم، بسبب حقدهم على الهزائم المتتالية التي ذاقوها.
وبعد اشتداد وطأة المستعمر الروسي في القوقاز، بدأت الكثير من العوائل الشركسية والشياشانية والداغستانية بالهجرة إلى مختلف البلاد الإسلامية.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، أعلن الشيشان انفصالهم عن روسيا، لكن لم تعترف روسيا بهذا الانفصال، فبدأت بشن الحروب عليهم. لكن لِما عُرف عن الشعب القوقازي من شدة بأس، فشل الروس في فرض سيطرتهم على الشيشان مجدداً. وحاول الروس مجدداً دخولي عاصمة الشيشان غروزني في عام ١٩٩٤، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وتناثرت جثث المحتل الروسي في شوارع غروزني.
قام الروس بعد ذلك باتّباع سياسة "المدينة المحترقة"، فقاموا بإحراق مدينة غروزني بأكملها، حتى لا يدعوا فيها مجالاً للمقاومة. وبعد أن قتل الروس معظم سكان العاصمة، سيطروا عليها.

واستمر بعد ذلك الجهاد الشيشاني ضد المحتل الروسي، فقاد شامل باساييف المقاومة، حتى أرهق البأسُ الشيشاني الروسَ، فقال أحد قادتهم "الحرب في أفغانستان تعتبر نزهة مقارنةً بالشيشان!". ثم تمكن الشيشانيون من استعادة العاصمة غروزني في عام ١٩٩٦، واضطر المحتل الروسي إلى مغادرة الشيشان، بعد أن ألحقت به المقاومة أشد الهزائم.

وما زالت روسيا، رغم استقلال الشيشان وانسحاب الروس منها، قائمة على إيجاد سُبُل جديدة لاستعادة الشيشان وإلغاء استقلالها، وما زال بوتين يُصِر على أن الشيشان جزء من روسيا!


البلقان والبوسنة ١٩٤٥ - ١٩٩٥ م
بدأ الإحتلال الروسي للبلقان إبّان الحرب العالمية الثانية، وبعد نهاية الحرب أحكم الشيوعيون قبضتهم على البلاد بعد حلف وارسو. وكعادتهم، حاربوا الإسلام فيها بقسوة لا مثيل لها في التاريخ، كما سبق الذكر عند الحديث عن الاتحاد السوفيتي.
ومع انحلال حلف وارسو عام ١٩٨٩، بدأت بلاد البلقان بالانفتاح على الإسلام مجدداً، لكن سرعان ما تدخل الروس والأوروبيون لزعزعة هذا الانفتاح، فدعموا، على سبيل المثال، الحزب الشيوعي في ألبانيا حتى بات الحزب الحاكم فيها.

لكن لم تبرز كراهية الشيوعيون للإسلام في مكان مثلما برزت في البوسنة. فبداية من خمسينيات القرن الماضي، مع تمكن الشيوعيون من يوغوسلافيا، بدأوا عدوانهم على الإسلام، فذبحوا عشرات الألوف في مدينة توزلا البوسنية، وقتلوا أكثر من ٣ آلاف مسلم في سراييفو، ولا ننسى المذبحة البشعة التي قام فيها الصرب بذبح أكثر من ٦٠ ألف مسلم والإلقاء بهم في نهر الفولجا، حتى أصبح لونه أحمر من الدماء. وغيرها من مذابح بشعة في تلك الفترة.

ومع مطلع الثمانينات، بدأت الحركات الإسلامية بالظهور في البوسنة، مثل جمعية الشبّان المسلمين بقيادة علي عزت بيجوفيتش. لكن سرعان ما زُجّ بهم في السجون في عام ١٩٨٣، بتهمة قلب نظام الحكم.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وانحلال حلف وارسو، صوّت البوسنيون على الانفصال عن يوغوسلافيا. لكن واجه الشيوعيون الصرب هذه القرار بالتسليح العام، فانطلقت حرب البوسنة عام ١٩٩٢، وارتكب الشيوعيون فيها أبشع المجازر في المسلمين، التي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفها، من القتل العشوائي والاغتصاب الجماعي المنظم، أبرزها مذبحة سربرنيتشا، فيما اكتفى العالم أجمع بالتفرج على هذه الجرائم.

ظنّ الناس حينها أن الحرب كانت بين الصِرب والبُشناق، بينما كانت في الواقع بين قوى العالم وبين مسلمي البلقان. فقال أحد القادة الصرب "نحن ندمر المسلمين لنحمي أوروبا من المد الإسلامي"!

وبالرغم من كل ذلك، كانت إرادة الله فوق كل شيء، فتمكن مسلمو البوسنة من إرغام الكروات على التفاوض معهم بعد أن طوّقوا أكثر من ٦٠ ألف جندي كرواتي في إحدى المناطق. ومع انشغال الكروات بقتال الشيوعيين الصرب، تمكن المسلمون من السيطرة على معظم مناطق البوسنة، مما أجبر العدو على قرار وقف النار عام ١٩٩٥، وإعلان قيام جمهورية البوسنة بقيادة علي عزت بيجوفيتش.

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)


بعد هذه الجولة التاريخية، نرجع إلى سوريا اليوم، لنرى تلك المجازر البشعة التي يرتكبها النظام السوري والروس في حلب وغيرها من مناطق سوريا.

لكن الله تعالى وعدنا بنصر الإسلام حين قال (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). فالتاريخ يخبرنا أنه مهما طال تجبر العدو على أرضنا، ستكون الغلبة لدين الله في نهاية المطاف.

فنسأل الله تعالى أن يُعَجِّل زوال العدو المحتل عن أرضنا، وأن يُفرحنا بفتح سوريا، فنراها حرة في الغد، وقد عاد إليها كل من أُرغم على الرحيل منها.